12 مايو، 2013

سياسة التقشف "عسرٌ ... لا يسر"

إن حدة الأزمة الحالية التي تخيم على الوضع السياسي في مصر وصلت إلى مداها مع تعاظم الأزمة الاقتصادية في وقت لم تطرح الحكومة حلول سوى عن طريق زيادة الاقتراض من الخارج مما يزيد الأعباء على المواطن المصري من خلال إقرار سياسة التقشف الاقتصادي التي سيتبعها بالتالي خفض الأنفاق الحكومي و الغاء الدعم و زيادة الضرائب و تلك السياسات ثبت فشلها التام ، فالاحتجاجات التي شهدتها كل من اليونان و اسبانيا و فرنسا في الفترة الأخيرة تؤكد فشل النظرية ، فالشعوب هي التي عانت و في نفس الوقت لم تؤدي تلك السياسات إلى رواج أقتصادي في وقت يعاني الاقتصاد العالمي من حالة ركود ، و للاسف الشديد لم تحاول الحكومة الحالية أن تضع بديل آخر يزيد من معدلات الانتاج حتى يخرج من ازمته بل على العكس فسياسة التقشف ستقلل من معدلات الاستهلاك للمواطنين نتيجة لأرتفاع الاسعار و بالتالي ستقل الجباية الضريبية المفروضة على السلع ، كذلك زيادة معدلات البطالة بسبب قلة الاستثمارات ، مما يؤدي إلى زيادة الامراض الإجتماعية و التوتر السياسي.

austerityكان رئيس البرلمان الأوروبي السيد مارتن شولتز قد اعلن أنتقاده لسياسة التقشف التي أعتمدها الاتحاد الأوروبي لمواجهة أزمة الديون اليونانية و الاسبانية و شدد أن اقتصاد اي دولة لن يستطيع استعادة عافيته بدون زيادة الاستثمارات ؛ و في المقابل مازالت حكومة هشام قنديل تصر على أتباع سياسة التقشف و لكن السؤال ما هو السبب الذي يجعلها تصر إلى هذا الحد على أتباع تلك السياسة في الوقت الذي طرح العديد من الاقتصاديين حلولا تساعد على الأقل في الحالة الراهنة إلا أنهم رفضوا كل تلك الحلول و اصروا على زيادة معاناة الشعب المصري بزيادة أسعار الخدمات كالكهرباء و المياه و الغاز و البنزين و السولار ، كذلك زيادة ضرائب المبيعات على العديد من السلع بدون مراعاة الجانب لأجتماعي أو الحالة المزاجية للشعب المصري كرفع اسعار السجاير و المشروبات الغازية و الشاي و القهوة و السكر و بعض السلع الأخرى .
في نفس الوقت تخبرنا البيانات الصادرة من وزراة الصناعة أن هناك أكثر من 2000 مصنع قد توقفوا تماما عن العمل و تشرد آلاف العمال و الموظفين ، هذا فضلا عن 1500 مصنع قطاع عام أما متوقف او يعمل بأقل من ربع طاقته الانتاجية كان يمكن لو تم ضخ استثمارات في تلك المصانع المتوقفة أن تعيد التوازن بشكل كبير سواء في تقليل معدلات البطالة بل من الممكن أن تنهيها تماماً فتلك المصانع توفر على الاقل خمسة ملايين فرصة عمل كما ستزيد الدخل القومي و ستطرح أنتاجا سواء في الأسواق الداخلية أو للتصدير مما سيخفض من الضغط على الجنيه المصري أمام الدولار ، كما سيزيد من حصيلة الضرائب مع زيادة معدلات الاستهلاك ، و لكن الحكومة تستدين حتى تستطيع أن تستدين حتى تقلل العجز في ميزان المدفوعات ، و لكن في نفس الوقت تتناسى أن هذا الدين سيصبح عبء مع مرور الوقت بسبب عدم وجود تخطيط واضح على سياسات انتاجية و صناعية بل تضع آمالها على سياسة اقتصادية ريعية تعتمد إما على الخامات الأولية و تصديرها بدون الدخول في عمليات تصنيع لتعيد أستيرادها مرة أخرى بأثمان مضاعفة ، أو بالأعتماد على مشاريع خدمية مثل مشروع تطوير قناة السويس مع كل الانتقادات الموجهة له إلا أن الاعتماد على الخدمات لا يؤمن مستقبل دولة بل يضعها دائما تحت ضغوط دولية ، و في نفس الوقت تضعك تحت طائلة الأزمات الأقتصادية للأقتصاد الرأسمالي الذي يعاني حاليا من سوء الرؤية و عدم واقعية الحلول التي يطرحها و ظلمها للطبقات المتوسطة و الفقيرة و يحملها عبء أخطاء الأغنياء و يزيدهم فقراً.

عجز الموازنة العامة اقترب من 200 مليار دولار مقسمة كالتالي الإيرادات حوالي 500 مليار دولار ، أما الأنفاق العام فيصل إلى 700 مليار من ضمن هذا الأنفاق حوالي 97 مليار دولار يتم خصمهم كأحتياطي نقدي و الباقي يتم توزيعه على البنود الاساسية الأجور و تصل إلى 173 مليار ، دعم 150 مليار ، 280 مليار تسديد فوائد و اصول قروض ، و لم تجد الحكومة حلاً للأزمة سوى تحميل المواطن الفقير عبء تسديد فارق العجز في الموازنة كما ذكرت من قبل عن طريق زيادة الضرائب على السلع و الخدمات و تقليل حجم الدعم مما أدى إلى زيادة التضخم حسب تقرير صادر من الغرفة التجارية إلى 22.5%.

و المدهش في الأمر أن يخرج علينا المهندس عمرو دراج وزير التخطيط و التعاون الدولي بتصريح أن الوضع الاقتصادي في مصر مستقر ، و ان الحكومة تعمل على السيطرة على معدلات التضخم و البطالة ، متناسي أن سياسة التقشف التي تتبعها الحكومة لا تنتج سوى زيادة معدلات البطالة و ليس تقليله ، فالحكومة تعتمد على تقليل حجم الانفاق على الدعم للسلع الاساسية للتحكم في الموازنة العامة للدولة متناسية في نفس الوقت أن تلك السياسة لن تثمر عن شىء سوى مزيد من خفض لقيمة الجنيه مقابل الدولار و ارتفاع اسعار السلع بسبب أعتماد الدولة على الاستيراد و ليس الانتاج ، فلا توجد خطة او سياسة أنتاجية واضحة المعالم يمكن ان تساهم في زيادة القيمة النسبية للعملة المحلية مقابل الدولار.

حتى البرلمان الحالي – الغير دستوري - الذي يتشدق به الأخوان و حلفائهم يروجون للمواطن البسيط أن مشروع الصكوك ضرورة ملحة بسبب الأوضع الاقتصادي بينما هو في الواقع طرح مصر في مزاد علني ليصبح صاحب البلاد غريباً في بيته و على أرضه ... طريد لا مالك.