17 مايو، 2015

الصراع في مصر هل هو طبقي أم صراع على الهوية ( 2 )

« إن السياسة البورجوازية لا يمكن إلا أن تكون ديماجوجية بالنسبة إلى من تربى تربية ماركسية ، و ذلك لأن كل ما تستطيعه هو أن تقطع الوعود للجماهير ، دون أن تفي بها أبداً ، و الأمر على العكس تماماً بالنسبة للسياسة الثورية ، لأنها تستطيع ان تقدم للجماهير ما تعده به ، و بصورة غير ديماجوجية من حيث المبدأ ، أما حين تكون ديماجوجية فلا يداخلنا ريب في ضرورة الأستنتاج بأنها قد تخلت عن المبادئ الثورية (ويلهلم رايش - ما الوعي الطبقي ؟) »

لم يكن أمام ”السادات“ من خلاص للأضطرابات في الشارع المصري سوى الأسراع في الدخول للحرب ، فالتأجيل لن يكون في صالح نظامه ، فالأحداث التي شهدها الشارع تنبئ بما هو أكثر و التيارات الدينية التي أعتمـد عليها مازالت ضعيفة فكان لابد من التحرك سريعاً بحدث يمكن أن يؤجل هذا الأنفجار أطول فترة ممكنة و لم يكن أمامه من بُد سوى المغامرة بدخول الحرب بأي شكل ممكن ، و بالفعل دخل السادات الحرب مغصوباً لا مختاراً ، و رغم نتائجها النهائية لم تكن مرضية ، لكنه في النهاية أستطاع الخروج من المأزق و أصبح بطلاً لأنتصار ناقص غير مكتمل ، مما أعطاه مجالاً أوسع لمشروع التحول الذي تبناه منذ بداية صعوده مصادفة على كرسي السلطة.

في يناير 1974 بدأت مفاوضات فك الأشتباك الأول و الثاني معلنة أنتهاء العمليات الحربية ، ليعود ”السادات“ مرة أخرى في مواجهة مع الشارع ، و لم تمر سوى أشهر قليلة لتصحوا القاهرة يوم 18 إبريل على محاولة أنقلاب فاشلة قام بها الفلسطيني ”صالح سرية“ ، و هي الحادثة المعروفة بتنظيم الكلية الفنية العسكرية ، يقول ”ياسر سعد“ أحد قيادات ”تنظيم صالح سرية“ في حديث نشره موقع جريدة ”اليوم السابع“ بتاريخ 16 مارس 2014 ، اعترف فيه بتبعيتهم للأخوان المسلمين قائلاً : «نحن كجنود لجماعة الإخوان المسلمين ليس لنا أن نفكر أكثر من أننا نسمع و نطيع ، فصالح سرية جاءنا بهذه الفكرة ، فهو كان مبعوث الإخوان المسلمين لنا ، و كنا نتعامل معه على أنه ”إخوان مسلمين“ ، و كان يهمنا فى هذه المسألة مرشد الإخوان آنذاك ”حسن الهضيبى“ ، لذلك كنا نرى أن الهضيبى قد وافق على منهج صالح سرية ، لكن بعض الإخوان المسلمين كان لديهم بعض التحفظ على منهج الانقلاب ، ففى هذا الوقت كان الإخوان مهلهلين ، لأنهم كانوا خارجين من السجون سنة 71 و الباقى خرج سنة 74 ، و تنظيم الفنية العسكرية بدأ عام 71 ، و لذلك يعتبر تنظيم الفنية العسكرية تنظيماً إخوانياً بحتاً ، و استأذنً من المرشد ، و نحن مجموعة بدأنا و كنا ننتمى لتنظيم الإخوان فكرياً و أدبياً ، و كنا أعضاء - حسب مفهومنا - تابعين للمرشد العام للجماعة الهضيبى ، و هذا يكفينا».

بالرغم من تحقيقات النيابة التي أثبتت العلاقة بين ”صالح سرية“ و قيادات تنظيم الأخوان إلا أن السادات مدفوعاً بغروره لم يحاول إعادة النظر في سياسته بالدفع بالتنظيمات الدينية في مواجهة الحركة الوطنية و لم يحاول أستثمار النصر في إرساء قواعد جماهيرية له في الشارع بل أندفع مرة اخرى في التغيير الذي بدأه فور صعوده لكرسي الحكم ، ليطلق ”ورقة أكتوبر“ التي تعتبر إعادة صياغة للسياسة الاقتصادية و تدشين لسياسة جديدة عرفت حينها بـ ”سياسة الانفتاح“ ، و لتأكيد تلك السياسة كان لابد من أطلاق حزمة من التعديلات القانونية الخاصة بالاقتصاد لفتح بوابة الأقتصاد المصري لرأس المال العربي و الأجنبي في شكل استثمار مباشر في كل المجالات تقريبا ، كذلك فتح المجال للأستيراد للقطاع الخاص بلا ضوابط ، تحرير معاملات النقد الأجنبي و هذا يُمّكْن البنوك الاجنبية في مصر من اسقبال ودائع بالعملات الأجنبية ، أنهاء العمل بأتفاقات التجارة و الدفع مما وضع الأقتصاد المصري عرضة لقوى السوق و تقلباتها الحادة ، أخيراً ما سمي بإعادة تنظيم القطاع العام بالغاء دور المؤسسات العامة ، و من أولى الملاحظات على القوانين التي تم أستحدثها سنجد أن القانون ٤٣ لسنة ١٩٧٤ و الذي عدل بالقانون ٣٢ لسنة ١٩٧٧ أنها تخالف المبادئ الدستورية وقتها ، فالدستور المصري يقر بأن القطاع العام يسيطر على القطاعات الإستراتيجية بالدولة ، و بالمخالفة للقاعدة الدستورية جاء القانون غير محدد الملامح بالنسبة للقطاع العام ، فكل مجالات الإستثمار أصبحت مفتوحة للإستثمار الأجنبي الخاص ، مما قلص من حجم القطاع العام و مساهمته في الناتج القومي و وضعه في موقف المنافسة بدون حماية.

كل هذا لم يأتي بالمردود الذي تمناه النظام ، فلم تتدفق الأموال للأستثمار في مصر سواء من الخليج أو دول المعسكر الغربي ، بل زاد من ذلك زيادة حجم الديون لمستوى لم تعرفه الدولة المصرية من قبل ، فالسادات وعد في خطاباته أن عام 80 سيكون عاماً للرخاء فبدأ عمليات تطوير و تحديث للبنية التحتية من خلال الأقتراض ، و زادت معدلات العجز في الموازنة العامة التي أستلمها السادات عام 70 و بها فائض ، و بالتالي زاد التضخم و ارتفعت الأسعار بشكل كبير ، و اخذت الأزمة الأقتصادية تضرب بقوة شرائح كبيرة في المجتمع المصري ، في عام 1975 بدأت تظاهرات عمالية كبيرة تجتاح البلاد أهمها اضراب عمال غزل المحلة الذي شارك فيه 33.000 ألف عامل ، و أنضم لهم عمال مصانع القطاع الخاص فأرتفاع الأسعار كان فوق طاقة الاحتمال و الفساد الذي بدأ يضرب المؤسسات الإنتاجية أصبح واضحاً ، و تتوسع الأضطرابات و ينضم لهم أقرانهم في مدن عديدة أخرى مثل مصانع النصر للسيارات ، مصر حلوان للغزل و النسيج ، الشركة الشرقية للدخان ، الترسانة البحرية بالاسكندرية و بورسعيد ، قابل السادات و نظامه مطالبات العمال بعنف مبالغ فيه وصفت المصادمات بين الشرطة و العمال بأنها الأكثر دموية على الأطلاق لسقوط عشرات القتلى و الجرحى ، لكن كل هذا لم يوقف ”السادات“ عن مشروعه بل وضح للجميع أن قطار التغيير لن يتوقف بسهولة ، و بالتالي لم تتوقف الأضطرابات في هذا العام إلا لفترات قصيرة ، ليأتي عام 1976 في شهر يناير و يحدث صدام دامي آخر و لكن في مدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية فصيادي ”بحيرة المنزلة“ تم منعهم من الصيد بسبب أحتكار إحدى الشركات الأجنبية الصيد بها ، وصل الصدام إلى حد أحتلال الصيادين لمراكز الشرطة و مقرات الاتحاد الأشتراكي و يعاود النظام أستخدامه للعنف المفرط مرة أخرى و يسقط العديد من القتلى و الجرحي ، في نفس الوقت بمحافظات أخرى حدثت مصادمات بين الفلاحين و أجهزة الأمن بسبب قرار النظام بأستعادة كبار الملاك للأراضي التي حاز عليها الفلاحين من الأصلاح الزراعي و يسقط العديد من القتلى ، حتى في القاهرة مصادمات عنيفة بين الأهالي و الشرطة التي أصبحت الداعم الأساسي للنظام ، أهم تلك الصدامات التي حدثت في حي ”الدرب الأحمـر“ حيث أعترض الأهالي على ممارسات عدد من ظباط الشرطة و عنفهم المفرط في التعامل مع الأهالي بأمور لا تحتاج للعنف و تصل المصادمات أيضا إلى أحتلال الأهالي لاقسام الشرطة و الاستيلاء على السلاح.

تزيف الوعي بين مطاعم ”ويمبي“ و ظاهرة ”الشعراوي“

وسط كل تلك الأحداث ظهرت فجأة على شاشات التلفزيون المصري حملات إعلانية لسلسلة مطاعم أنجليزية ”WIMPY“ تطرح أسلوب جديد في الحياة حيث ساندوتشات الهامبورجر و الهوت دوج و مشروبات الميلك تشيك و الكابتشينو ، قابلها تحول في الطبقة الوسطى البيروقراطية التي باتت قريبة من التأثر بالأزمة الأقتصادية و لكنها وجدت ضالتها سريعاً بالهجرة للخليج فالطفرة المالية التي شهدتها خزائن تلك الدول بعد الحرب بسبب أرتفاع اسعار البترول ساعدتها في الدخول في سباق سريع نحو التحديث لتشهد تلك الدول حركة من العمران للتحول من البداوة للمدنية فأصبحت الحاجة ملحة للعديد من المدرسين و الأطباء و المهندسين و المحاسبين ، و بالطبع بجانب ذلك إزداد الطلب على العمالة الحرفية خاصة في مجال البناء فشهدت مصر هجرات متتالية حتى الفلاحين الأُجراء أو أصحاب المساحات الصغيرة تخلوا عن عملهم في الأرض ليندفعوا إلى الخارج و العمل في مجال المعمار ، و يتأثر المجتمع المصري بذلك فتحدث أزمة في العمالة الماهرة مثل عمال الزراعة و العمالة الحرفية الخاصة بالمعمار ، فالعمل في الخليج أصبح الشغل الشاغل للكثيرين منهم ، ففرصة الحصول على الأموال باتت سهلة أمامهم ، و كان أكثر المجالات تأثرا هي الزراعة ، فزادت أجور العمال بها إلى أكثر من 50% ، أدى هذا إلى زيادة تكلفة المنتج الزراعي بل و أنخفض الأنتاج بسبب سفر أعداد كببيرة من العمال الزراعيين و أضطرت الدولة لأول مرة أستيراد سلع غذائية من الخارج ، كذلك أرتفعت أجور عمال البناء فأثر هذا أيضاً على التكلفة ، و بالرغم من حجم العمالة التي سافرت للخارج إلا أن هذا لم يؤثر في خفض نسبة البطالة التي أرتفعت إلى 11.5% عام 1976 بعد أن كانت قبلها بعشرة أعوام عام 1966 0.30% ، تلك المجموعات التي سافرت للخليج آملة في الخلاص من أزمتها خلقت مظاهر جديدة على المصريين في أسلوب الحياة مثل البذخ الشديد في الصرف و الفكر الإستهلاكي ، بل حتى في الملابس بدأت تظهر في شوارع القاهرة لأول مرة سيدات مصريات يرتدن الحجاب.

سبق ذلك بقليل ظهور شخصية دينية على شاشة التلفزيون المصري في البرنامج الديني الوحيد الذي كان يحظى بنسبة متابعة عالية و هو برنامج بعنوان ”نور على نور“ ، بنى هذا البرنامج قوته من ميعاد بثه على الشاشة و هو يوم الجمعة الساعة الثانية ظهراً يسبق مباراة كرة القدم التي تبدأ في الثالثة و هي تحظى بشعبية كبيرة فكانت أجهزة التلفزيون في المنازل تبدأ في الأستعداد لأستقبال مشاهدي المباريات بهذا البرنامج ، في تلك الفترة كان النظام و حليفه الجديد ”الأخوان المسلمين“ يبحث عن طريقة للخلاص من التيارات اليسارية إلا أن هذا الحليف لم يستطيع السيطرة على الأضطرابات التي تحدث ، فكان لابد من البحث عن رمز ديني يظهر في أجهزة الإعلام يستطيع تمهيد الأرض لهم و أستخدامه كرأس حربة للهجوم على الأفكار اليسارية و الاشتراكية ، و وجدوا ضالتهم سريعاً في الشيخ الأزهري ”محمد متولي الشعراوي“ الذي كان على خلاف مع النظام القديم و يحمل داخله من العداوة له ما يكفي ، أمتاز هذا الشيخ على غيره من أقرانه باستخدامه للغة بسيطة خليط ما بين العامية و الفصحى ، لديه قدرة فطرية على التلاعب اللفظي و الحركي لتوصيل أفكاره ، ليضع هذا الشيخ أول بذور الفتنة الطائفية بل كان هو مطلق شرارتها ، و ساهم بشكل كبير في تغيب وعي المواطن المصري ، فأنتشرت أفكار على يديه مثل الرضى بالمكتوب و أن الفقر و الغنى من عند الله !

التحول الأقتصادي الذي قاده ”السادات“ أنتج معه مجموعة أزمات حادة لم تشمل فقط الأقتصاد بل في السياسة و الثقافة ، و المجتمع و أثر بالتالي في السمات الأساسية للشخصية المصرية ، و شهدت مصر مجموعة من المتغيرات المجتمعية فظهر ما يسمى بالأمركة Americanization ، و في المقابل الشرائح التي هاجرت إلى الخليج مدفوعة للبحث عن لقمة العيش بدأت في الظهور داخل المجتمع المصري بملامح ثقافية جديدة ، فظاهرة الحجاب و النقاب التي بدأت تظهر في الشارع واكبها حملات دعائية متمثلة في كتيبات كانت في غالبها موجهة للفتيات و النساء مثل كتيب ”رسالة إلى أختي المسلمة“ ، و كتيب آخر بعنوان ”فقه النساء“ ، كانت تلك الكتيبات أما يتم توزيعها مجانا أو تباع بأسعار بأقل كثيرا من تكلفة الأحبار المستخدمة ، أمتلأت تلك الكتيبات بالعديد من الملامح ذات طابع عنصري يدفع قارئها إلى كراهية المختلفين عنه في العقيدة أو الفكر و تكفيره ، في نفس الوقت تفجرت ظاهرة أخرى و هو ”الشيخ عبد الحميـد كشك“ الذي ظهر فجأة في الشارع المصري من خلال أعتلائه لمنبر مسجد ”عين الحياة“ بحدائق القبة عام 1975 و أستمر حتى أعتقاله عام 1981 ، كانت خُطّبه التي يلقيها بحماسة شديدة و خفة دم و طرافة في مفرادتها تشد آذن الكثيرين حتى أنها بدأت تنتشر على أشرطة الكاسيت و تباع في الأسواق و في خلفية صوته يظهر الحاضرين و هم بين كل فقرة و أخرى يهتفون طرباً بما يقوله ، كانت دعوته في مجملها رافضة للمجتمع المصري بأكمله دافعة المستمعين للخلاص من هذا المجتمع ، منتقض بشكل خاص أهل الفن و الثقافة العدو اللدود للتيارات الدينية.

في المقابل شهد المجتمع المصري تغير في النمط الأنتاجي و الأقتصادي للمجتمع نتيجة لتوجهات النظام بعمليات تهميش متعمدة لقطاعات إنتاجية رئيسية كالزراعة و الصناعات الثقيلة و الخفيفة في مقابل قطاعات ريعية كالسياحة و البترول و قناة السويس و تحويلات المصريين العالمين في الخارج ، كذلك أغراق الأسواق بسلع أجنبية مستوردة مما عظم الضغوط على مثيلتها من أنتاج القطاع العام و رغم أن الفارق بين السلع المصرية و الأجنبية لم يكن كبيراً إلا أن الحملات الدعائية المركزة التي واكبت ظهور تلك المنتجات في الأسواق أستطاعت أقناع المستهلك المحلي بأن تلك السلع أفضل من مثيلتها المنتجة محلياً ، أدى ذلك إلى تغير في السلوك الأجتماعي و في نمط الأستهلاك ، فلم تكن من طبيعة المجتمع المصري الغرق في الأستهلاك الترفي و المظهري ، مما بدد الفوائض المالية خاصة لدى الطبقة الوسطى سواء التي سافرت للخليج أو التي أستطاعت رغم تواجدها داخل البلاد أن تدخر جزء من مدخلاتها ؛ ساهم على أنتشار تلك الظاهرة أن الرأسمالية المصرية الجديدة لم تتجه إلى الاستثمار في تطوير الإنتاج بل تركزت استثماراتها في أنشطة غير أنتاجية مثل المضاربة في العملة و العقارات و الإستيراد و السمسرة ، حتى الصناعات تركزت في الحلويات و المياه المعدنية و العصائر و غيره من المنتجات التي لم تعطي للأقتصاد قوة تنموية حقيقية ، فهي رأسمالية طفيلية.

كما ظهرت قوة مالية جديدة هي العمالة الحرفية التي أصبح لديها قدرات مالية تطمع في إثبات وجودها في المجتمع فالأوبرا و حفلات أم كلثوم و عبد الحليم و المسرح القومي و المعرفة و الثقافة ليست من أهتمامتها ، تلك الشريحة المجتمعية الجديدة من الحرفيين المدججة بالمال الناتج إما من خلال هجرتها للخليج أو نتيجة لأرتفاع أجورها في الداخل بشكل كبير تريد فرض ثقافتها الخاصة فكانت أغاني ”السح الدح أمبو“ و مثيلتها هي الثقافة الجديدة التي بدأ تدشينها ، فالهرم الثقافي أنقلب و أصبح أسفله هو قمته ، و الشريحة التي سافرت للخليج تأثرت بشدة بالحالة البدوية التي أحتكوا بها فعادوا ينشرون العادات الجديدة المتعارضة مع المدنية الحضارية التي كانت تعيشها المدن المصرية ، حتى الشخصية المصرية المتسامحة المحبة للمرح الرافضة للعنف تغيرت ، زادت معدلات العنف في المجتمع فالفوارق الطبقية بدأت تتسع و السلوك الإستهلاكي أصبح مسيطراً ، و من حاول حماية نفسه من تلك الهجمة البدوية تأثر أو غرق في الأمركة و التغريب و ثقافة الاستهلاك أو وجد نفسه محاصر من أجهزة إعلام مشوهة تعمل على تزيف وعيه ، واكب ذلك هجرات داخلية من الريف للمدن فمعدلات التنمية في أدنى مستوياتها و أهتمام الدولة بالريف بات شبه معدوماً و أصبح حلم الشباب في الريف الانتقال للقاهرة أو للمدن الكبيرة طمعاً في الحصول على فرص عمل لتبدأ ظاهرة ”ترييف المدن“ فعادات الريف أنتقلت للمدينة خاصة و أن أغلب النازحين سكنوا أطراف المدن (العشوائيات) و كونوا مجتمعاتهم شبه المغلقة المتواجدة في المدينة لكنها تعيش بثقافة الريف و عاداته تقريبا فكان صراع ثقافي و حضاري آخر يشهده المجتمع المصري ، فهؤلاء النازحين غالبيتهم لم يستطع الأندماج في مجتمع المدينة بصخبه و إيقاعه و عاداته المختلفة و المتعارضة في كثير من الأحيان مع الريف ، فكانوا لقمة سائغة في أيدي التيارات الدينية خاصة ”الأخوان المسلمين“ التي أستغلت حالة الأغتراب التي عانى منها هؤلاء النازحين من الريف و الحالة الأقتصادية الصعبة التي يعيشون فيها ، هذا سهل عمليات التجنيد و الأقناع أن الخلاص في أيديهم ساعدهم على ذلك التخبط الأقتصادي للدولة و عدم وضوح الرؤية السياسية ، و أجهزة إعلامه تساهم في تغيب الوعي لدى المواطنين.

التركيبة الطبقية في خمسينات و ستينات القرن العشرين تشكلت نتيجة للتوجهات الأقتصادية لنظام يوليو 52 ، فمنظومة الأصلاح الأقتصادي دفعت آلاف الفلاحين لأعلى من أجراء إلى ملاك لمساحات صغيرة ، و في نفس الوقت زاد عدد ملاك المساحات المتوسطة سواء في العدد أو في المساحات المملوكة لهم ، و بالرغم من تطبيق المرحلة الأولى و الثانية من الأصلاح الزراعي للقضاء على الملكيات الكبيرة إلا ان ذلك لم يحدث فالعائلات الكبيرة استمرت على حالها مسيطرة على الحالة الاجتماعية و الاقتصادية في الريف و إن تم تحجيمها سياسياً نوعا ما ، و بالرغم من كل الانتقادات لمنظومة الجمعيات التعاونية الزراعية التي أنشأت في تلك الفترة لمساعدة صغار الفلاحين إلا أنها أستطاعت أن تحد جزئياً من سيطرة الملاك الكبار على مقدرات الفلاحين مما خلق نوع من الاستقرار في المناطق الريفية لكنه لن يطول ، أما على مستوى المناطق الحضرية فالتغيرات كانت أكبر ، فأتجاه الدولة نحو التصنيع نتج عنه أتساع في الشريحة العمالية و البيروقراطية ، فاصبح عدد العاملين في القطاع الحكومي الخدمي سنة 75 حسب الإحصاءات الرسمية 2.1 مليون موظف ، و العاملين في مؤسسات القطاع العام الصناعي و التجاري 7.3 مليون موظف و عامل هذا أدى إلى تعاظم ما يسمى بالطبقة الوسطى في المجتمع لتصل إلى 30% من السكان لتصبح شكلياً قوة مؤثرة إلا أنها ضعيفة في مكنونها ، فهي طبقة لا تملك شئ كما أنها لم تتكون نتيجة لصراع قوي حتى يتكون لديها الوعي الكافي للدفاع عما أكتسبته ، بل هي كانت أبنة مدللة للنظام في الستينات ، لتأتي مرحلة السبعينات و مع التوجهات الجديدة لم تعد كذلك بل باتت عبء عليه خاصة و أن التوجه الأساسي للدولة هو الإنسحاب من المنظومة الاقتصادية الانتاجية و الخدمية للتخلص منها و خصخصتها ، لتجد تلك الطبقة نفسها فجأة داخل صراع في غاية القسوة و هي بلا قوة أو حيلة حقيقية ، فأتجه البعض للخليج مدفوعا لإنقاذاً نفسه أمام تلك التغيرات و هروباً من واقع لا يعرف محدداته ، و المتواجد على أرض الوطن أما أنخرط مع شركات الانفتاح الجديد أو أستسلم للواقع و أصبح شغله الشاغل كيف يجني قوت يومه فدولة الرفاة و الأمان تتهاوى و هو تائه بين حلقات ”الشعراوي“ التلفزيونية و شرائط ”كشك“ ، و مطاعم الهامبورجر و الأستيك.

في دراسة أجراها مركز الجيل للدراسات الشبابية و الاجتماعية نُشرّتْ عام 1994 - اقتصرت العينات على محافظة القاهرة – كانت كاشفة لمردود الحالة الأقتصادية و الاجتماعية التي واكبت البلاد في السبعينات تضمنت شرائح عمالية ، حرفيين ، عمال نظافة و سعاة ، شرائح من الطبقة العاملة الرثة مثل ماسحي الأحذية و العاطلين ، و طلبة لهم جذور للطبقة العاملة ، طلبة لهم انتماءات برجوازية مختلفة ، برجوازيين عقاريين ، برجوازيين تجاريين ، برجوازية صناعية ، برجوازية كومبرادورية ، كما تتضمنت الدراسة شرائح من البيروقراط و التكنوقراط ، كما راعت الدراسة مستويات الدخل و مستوى التعليم ، أثبتت الدراسة الميدانية أن رأسمالية الأنفتاح كانت أكثر الطبقات أستهلاكاً على الرغم من أنها رأسمالية غير منتجة ، فهي لا تساهم في العملية الإنتاجية و لكنها تستولي على فائضها و تحقق من خلالها أرباحاً عالية ، كما رصدت الدراسة تراجع في القيم العقلانية و العلمية فقد أكدت الدراسة أن 83% يؤمنون أن كل شىء مقدر و مكتوب ، و أن 61.92% رفضت التخطيط للمستقبل ، فالمستقبل لا يعلمه الأنسان ، أما فيما يتعلق بأسباب التفاوت الطبقي ”إن الأرزاق بيد الله“ بنسبة 58.62% لذوي التعليم لمنخفض ، 57.74% لذوي التعليم المتوسط و بنسبة 52.38% لذوي التعليم العالي ، و في المقابل جاءت مسئولية النظام الحاكم عن التفاوت الطبقي بنسبة 2.94% لذوي التعليم المنخفض ، و 2.30% لذوي التعليم المتوسط ، و 0.951% لذوي التعليم العالي ، كذلك خلصت الدراسة إلى سطوة القيم الإستهلاكية التي باتت تنتشر بين طبقات المجتمع فقد رأي 45.16% من ذوي الدخل المنخفض أنه لا توجد سلع ترفيهية أو أستفزازية إلا ما هو محرم دينياً ، بينما القصور و السيارات الفارهة و ما شابه فمن لديه المقدرة المادية فمن حقه ان يقتني ما يشاء ، هذا يؤكد أن هؤلاء تعرضوا لعمية تزيف لوعيهم الطبقي فأصبحوا خاضعين لسلطان عالم الإستهلاك.

كما شهدت القيم الثقافية و المعرفية تراجعاً شديداً فالإجابات عن تمضية أوقات الفراغ جاءت على النحو التالي 16.15% في المقهى ، 12.69% في النادي ، 50% في البيت ، بينما جاءت نسبة من يمضون وقتهم في القراءة 0.771% ، و بسؤال أفراد العينة عن عن وجود الأشباح و الجن ، فجاءت من يعتقدون بذلك 51.41% مقتنعين بذلك نتيجة لقناعات دينية ، و أن 75.77% يعتقدون بالحسد و العين الشريرة.

أما عن اسباب هزيمة 1967 فجاءت الاجابة ”ده غضب من ربنا“ بنسبة 57.35% للتعليم المنخفض ، و 48.21% للتعليم المتوسط ، 56.19% للتعليم العالي ، بينما جاءت مساعدة الدول الكبرى لأسرائيل بنسبة صفر% للتعليم المنخفض ، 2.301% للتعليم المتوسط ، و نسبة 1.91% للتعليم العالي ، و جاء غياب الديمقراطية بنسبة صفر% لكل من التعليم المتوسط و المنخفض ، 1.90% للتعليم العالي.

و عن وضع المرأة في المجتمع فقد رفضت 53.08% من أجمالي العينات أن تعمل المرأة في مراكز قيادية ، و 35.08% غير موافقين على الأختلاط ، كذلك أثبتت نتائج الدراسة أستسلام المرأة لتبعيتها حيث أرتضت بقهرها و دونيتها فقد أستجابة الإناث بعدم الموافقة على عمل المرأة بنسبة 35.39%.

نشرت بموقع الحوار المتمدن بتاريخ 17/52015

30 أبريل، 2015

الصراع في مصر هل هو طبقي أم صراع على الهوية ( 1 )

تحاول التيارات الأسلامية نقل الصراع من صراع طبقي إلى صراع على الهوية الدينية ، فيقول دكتور رفيق حبيب في مخطوطته ”الدين أم الطبقة ، من يشكل الهوية السياسية ؟“ « فصورة المجتمعات العربية و الإسلامية ، لا تكشف عن التشكيل الطبقي الاقتصادي الموجود في الغرب ، حيث تظهر العديد من الانتماءات القوية ، و التي تبدو أقوى من أي انتماء طبقي اقتصادي» ، و هو هنا يدفعنا لمعالجة تلك الفرضية على اساس مجموعة من العلاقات مثل المؤسسات الدينية ، الممارسة دينية ، الدين و المجتمع ... الخ.

كما نلاحظ عادة ما يبدأ الباحثون الأسلاميون كتاباتهم عند نقـد المخالفين عنهم بآية « و َلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَ لا النَّصارى حَتّى تتَّبِعَ مِلَّتَهُم قُل إنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدى وَ لَئن اتَّبَعتَ أَهواءَهُـم بَعدَ الّذي جاءَكَ مِنَ العِلمِ ما لَكَ مِنَ الله من وَّليٍّ وَّلا نَصيرٍ » ، فاختيارهم لتلك الآية يفسر الأرضية الفكرية التي يتحركون عليها في طرح مفاهيمهم عن الصراع داخل المجتمع المصري و لتكون حجة في تحويل الصراع من طبقي إلى صراع على الهوية الدينية ، فمن الملاحظ أنهم درسوا جيدا طبيعة الصراع الطبقي في مصر و أن التداخل معه بنفس المفهوم لن يخدم مصالحهم فكان لابد من تفريغه من الشكل الطبقي و تحويله إلى صراع ديني و مذهبي لذا سنجد أن كتاباتهم تنحصر عادة على فرض مفاهيم دينية مثل الشريعة و الحكم بما أنزل الله ، في نفس الوقت يتهربون من الدخول في تفاصيل المشكلة الأقتصادية و التي أدت إلى صراع أجتماعي عنيف قد تنتج عنه ثورة شعبية بفاهيم العدالة الاجتماعية تصبح خارج سيطرتهم.

أن الصراع في مصر على مدار التاريخ صراع طبقي قد يأخذ أحيانا شكلا ظاهريا دينيا إلا أنه في الاساس دائما صراع اقتصادي طبقي ، إذا أخذنا الواقع الأجتماعي اليوم نجد أن التقسيم الطبقي أصبح كالآتي : -

  • طبقة برجوازية عليا تتمثل في طبقة رجال الاعمال المسيطرين على ثروات البلاد و اقتصادها بعد خروج الدولة بأختيارها من العلمية الاقتصادية ، و تلك الطبقة مرتبطة عضويا بالرأسماليات الكبرى في العالم و يتساوى في ذلك المتحالفين مع الحكومة أو حتى رجال الأعمال المنتمين للتيار الأسلامي
  • طبقة متوسطة و تنقسم تلك الطبقة إلى ثلاثة شرائح : -

o البرجوازية الصغيرة و تتمثل في صغار و متوسطي التجار و الملاك الصغار ، كبار الموظفين في الدولة و شركات القطاع الخاص ، كبار ضباط الشرطة و المؤسسة العسكرية و المؤسسة القضائية ، أصحاب بعض المهن الحرة مثل الأطباء و المحامين و المهندسين و الكتاب و الفنانين

o الشريحة الوسيطة و تتمثل في القيادات الوسيطة من الموظفين سواء في القطاع العام أو الخاص ، و بعض التجار الصغار

o الشريحة الدنيا و هي تمثل الأكثرية في تلك الطبقة و تتمثل في صغار الموظفين في القطاعين العام و الخاص ، تلك الطبقة تتأرجح حالياً بين الطبقة الوسطى و طبقة البروليتاريا

  • أخيرا طبقة البرولتاريا و التي تضم العمال و الفلاحين و غالبية الشعب المصري ، و هي أكثر الطبقات تهميشا و تعاني من فقر شديد في الخدمات الصحية و التعليمية بل حتى في وسائل المعيشة العادية مثل السكن

علاقة الطائفية و الرأسمالية بين الصراع و التحالف

في يوم 9 يونية 1967 أعلن جمال عبد الناصر تنحيه عن الحكم و مسئوليته عن الهزيمة ، إلا أن الشعب المصري خرج يومي 9 و 10 يونية رافضا تنحيه واضعا ثقته في نفس النظام الذي هُزم ، آملاً أن يستفيد هذا النظام من أخطائه و يبدأ عملية أصلاح ، إلا أن حركة الأصلاح شابها البطئ و الأخطاء فخرج الشعب مرة ثانية لكن في فبراير 1968 غاضباً من الأحكام المخففة على قيادات الجيش المتسببين في الهزيمة ، أصدر بعدها ناصر بيان 30 مارس الشهير واعداً الشعب بإصلاحات داخلية ، لكن كان هناك صراع آخر داخل النظام رافضا تلك الإصلاحات ، فالنظام أفرز عن طبقة برجوازية بيروقراطية أحسوا أن تلك الأصلاحات ستطيح بهم من على قمة الهرم ، فأحبطت تلك الأصلاحات فخرج الشعب مرة ثانية 1969 طالبا بتنفيذ ما تم إعلانه في 30 مارس ، في نفس الوقت بدأت فلول الطبقة البرجوازية القديمة التي طالتها قرارات التأميم و الإصلاح الزراعي تظهر أصواتهم لأول مرة منذ سنوات طويلة بفشل منظومة التخطيط المركزي و العودة إلى الشكل الليبرالي الرأسمالي و أعطاء الفرصة للقطاع الخاص و الأندماج في السوق العالمية ، لكن تواجد عبد الناصر على رأس السلطة لم يعطهم الفرصة لذلك ، و في يوم 28 سبتمبر 1970 توفى عبد الناصر و كان بوفاته بمثابة أطلاق رصاصة البداية للسباق نحو هدم دولة 23 يوليو و بداية دولة جديدة ساعدهم على ذلك صعود أنور السادات للحكم بالرغم أنه لم يكن مرشحا للرئاسة فصعوده لمنصب نائب رئيس الجمهورية لم يكن نتيجة لكفاءة أو قدرة على القيادة أكثر من أنه كان نوع من التهميش فالمنصب ليست له أية مسئوليات محددة سوى بعض الاعمال البروتوكولية البسيطة ، و هنا شاهدنا صعود شخصيات لم تكن مطروحة من قبل مثل عثمان أحمد عثمان هذا الرأسمالي الذي بنى أمبراطوريته من خلال أعمال المقاولات و تقرب من السادات و كان أحد مهندسي عمليات التقارب بينه و بين حركة الأخوان المسلمين ، فالسادات لم يستطع أن يحوز ثقة الجماهير و بالتالي لم يستطع الأرتكان عليهم للتغيير ، فلم يكن أمامه سوى البحث في الدفاتر القديمة و لم يجد سوى الأخوان المسلمين كقوة دينية يمكن أن تقف امام التيارات اليسارية و الناصرية التي كانت تتملل منه و لا ترى فيه القدرة على أصلاح الأخطاء.

شهدت تلك الفترة تحالف بين البرجوازية القديمة المعادية لثورة يوليو و البرجوازية الجديدة التي نشأت من رحم نفس الثورة ، فالأصلاحات التي تنادي بها الحركة الوطنية تهدد مصالح كلا المتحالفين ، و شهدت الجامعات المصرية في تلك الفترة مصادمات عنيفة بين الطلبة اليساريين و الناصريين من جهة و طلبة الجماعة الأسلامية و الأخوان المسلمين على الجانب الآخر برعاية مباشرة من الأنضمة الحاكمة و الرأسمالية القديمة المتحالفة معها ، استفادت التيارات الدينية من هذا التحالف بشكل كبير فأجهزة الإعلام كان لها دور هاما في صعودهم و الشعارات التي تنبتها الدولة رسخت وجودهم.

أنقلاب مايو 1971

أستطاع السادات أن يحسم الصراع سريعا ، ساعده على ذلك كم النتاقضات التي شهدتها البنية الأجتماعية و السياسية في مصر خاصة بعد هزيمة يونيو 1967 ، فالطبقة البيروقراطية الجديدة لم تكن تملك الرؤية الواضحة فضعف سيطرة الدولة و صعود الرأسمالية القديمة لن يكون في صالحهم بل سيكون عامل لتفتيت قوتها ، فهي فقط رأت أن التصاقها بالحاكم و النظام سيحميها في وقت كان النظام بدأ عمليات التفكيك بخطى بطيئة نوعا ما في ذلك الوقت ، تلك البيروقراطية تنتمي في الأساس إلى الطبقة الوسطى و هي طبقة لم تتكون من خلال صراع مع أنظمة الدولة و لكنها نشأت بفعل سياسيات أقتصادية و اجتماعية تبناها النظام الحاكم ، فهي بالتالي خاضعة خانعة للدولة و أنظمتها الحاكمة لذا أتخذت تلك الطبقة مواقف أنتهازية ، فالأسس التي نمت عليها أسس رخوة ضعيفة فإذا أخذنا مثال توسع الدولة في العملية التعليمية فبدلا أن يكون هذا محفز للحراك الإجتماعي و تطوره من خلال منظمة تعليمية متطورة تعتمد على الجدل الفكري و البحث مما يساعد على خلق أجيال قادرة على رؤية و فهم التغيرات السياسية و الاقتصادية و مردودها على البناء الأجتماعي ، و لكنها أعتمدت على أساليب بالية عقيمة تعتمد على الحفظ و التلقين ، جَذّر ذلك هو سيطرة الدولة على سوق العمل مما حول العملية التعليمية من منظومة محفزة ثقافيا و أجتماعيا إلى منظومة توظيف تخدم رأسمالية الدولة ، لكن هذا لم يمنع من تكوين بعض الحركات الثورية التي رأت في هذا التوجه إضعاف للمجتمع و للدولة ، و كان على رأسها التيارات الشيوعية التي قادت تحركات الطلبة و العمال عامي 68 و 69.

أما في الريف فكانت المشكلة أكثر عمقا فمنظومة الأصلاح الزراعي لم تغير كثيرا من اوضاع الملكية بل أفرزت عن صعود طبقة كانت متواجدة من قبل لكنها باتت أكثر قوة فتفتيب الملكية لم يطلها هي طبقة ”الخوالي“ الذين كانوا يقومون بدور مديري الأعمال لأصحاب الأقطاعيات الكبيرة ، فهؤلاء كانت ملكياتهم لا تتعدى الخمسين فدان ، لكن سيطرتهم على الحياة في الريف كانت واسعة فهم يسيطرون على تجارة السماد و البذور ، و على تجارة الجملة للمنتجات الزراعية ، هذا مكنهم من التلاعب و الدخول في منظومة الجمعيات التعاونية الزراعية و رغم أن من شروطها ألا تتجاوز ملكية العضو عن خمسة فدادين إلا أننا نلاحظ كثير من هؤلاء الخوالي السابقين استطاعوا النفوذ داخل تلك الجمعيات بأساليب مختلفة و باتوا هم الأعيان الجدد الذين ورثوا تلك المكانة من الملاك السابقين.

يقول السيد ”محمود رياض“ وزير الخارجية عن أحداث 1971 في حديث تلفزيوني لقناة الجزيرة تمت إذاعته في بداية الألفية

«أما فيما يتعلق بما حدث فى مايو1971 فلم يكن هناك ما يسمى بثورة التصحيح و لا مراكز القوى ، و الذى حدث هو أن هناك مجموعة من الوزراء استقالت ، و الرئيس السادات اختار أن يتهمهم بالخيانة العظمى و التآمر ، و كان موقفى من ذلك أننى رفضت هذا الكلام و قلت له يومها أنه من غير المنطقى ، و ليس من المعقول و لا يقنع أى إنسان القول أن هذه المجموعة متآمرة.. ليه ؟ الجواب إذا كان وزير الدفاع ضمن المجموعة المستقيلة ... يعنى بيقول أنا ذاهب أقعد فى بيتى ... لما يكون وزير الدفاع عاوز يعمل إنقلاب يقعد فى مكتبه مش يروح بيته ... مش يستقيل ، و هو يعرف أن بيته سيحاصر فى اليوم التالى ، و انه قد يعتقل – و فعلا هو أعتقل- يبقى فيه انقلاب ! ، هناك أسباب أخرى ألخصها فى أن هذه المجموعة وجدت أنها لم تعد قادرة على التعاون مع السادات خصوصا الفريق فوزى الذى كان يسعى للحصول على توقيع السادات لأمر القتال ، و كان الرجل بيتهرب من المسألة فتعب فوزى من المسألة ، و بدأ يشعر بأن أى تأجيل للمعركة لم يعد له مبرر ، و بالتالى شعر أن هناك اتجاها للتسوية فقرر الابتعاد ، نصل إذاً أنه لم تكن هناك مؤامرة»

بعد أنقلاب مايو 1971 و انتصار الجناح اليميني داخل المنظومة الحاكمة ، كان لابد لهذا النظام أن يبحث عن قوى شعبية تحميه و لم يجد سوى تيار جماعة الأخوان المسلمين ، فتوجهاتهم القتصادية لا تختلف عن أقتصادية

أقتصادية لا تختلف عن توجهاته ، كذلك رأى أن تلك الجماعة سيكون من السهل السيطرة عليها كما حدث من قبل في الاربعينات ثم في الخمسينات ، لكنه تناسى في نفس الوقت أن هناك قوى أخرى تطمع في أن تسيطر على التوجه السياسي للدولة المصرية فهي ترى أن هناك نوع من الثأر بينها و بين الدولة المصرية منذ ”محمد علي“ عندما دمر محاولة بناء دولتهم ”الوهابية الأولى“ ، ثم ”جمال عبد الناصر“ الذي استطاع أن يهزمهم في اليمن و يقضي على حكم ”المملكة المتوكلية“ و مساهمته في قيام ”الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية“ (اليمن الجنوبي) التي كانت بتوجهها الماركسي تهديدا فكريا لها ، و اليوم باتت أكثر قوة عن طريق المال الذي بدأ يندفع في خزائنها نتيجة للأكتشافات البترولية ، كذلك علاقتها بقيادات الأخوان أصبحت أكثر صلابة فهي التي ساعدتهم ماديا و أحتوتهم بعد خروجهم من مصر و من هنا بدأ الصراع.

التيارات الأسلامية و تفتيت الصراع المجتمعي و السياسي

رأت التيارات الأسلامية أن طبيعة الصراع داخل المجتمع المصري لن تفيد توجههم فهي ستبقى في تلك الحالة أسيرة التيارات الثورية الأخرى المتنافسة معها فكان لابد من تحويل الصراع من صراع طبقي إلى صراع على الهوية ، ساعدهم على ذلك التوجه العام للدولة و مجموعة الشعارات التي رفعها السادات مثل ”دولة العلم و الإيمان“ ، و الألقاب التي أطلقها على نفسه أو أطلقتها عليه وسائل الإعلام ”الرئيس المؤمن“ ، كذلك دستور 71 في مادته الثانية التي أضافت الشريعة الأسلامية كأحد مصادر التشريع مما رسخ قوتهم ، فالتشريعات القانونية أصبحت جزء من الأيديولوجية التي ينادون بها ، لم يكن للتيارات الدينية في البداية الثقل الجماهيري ، فوجودهم داخل المجتمعات العمالية تقريبا معدوم ، أما في الريف فكانت التيارات الصوفية لها الثقل البارز ، و على مستوى طلاب الجامعات فكان هناك بعض الشباب الذي أهتز بعد هزيمة يونيو 67 و بدأ يتوجه ناحية الأيديولوجية الدينية و لكن ايضا كان وجودهم لا يعد مؤثرا في المجتمع الطلابي ، فكان هنا لابد من تدخل الدولة بشكل مباشر فتم تنظيم ما سمي بالمعسكرات الإسلامية يقول عنها الأستاذ ”غالي شكري“ في كتابه ”الثورة المضادة في مصـر“ : -

«عقـد أول معسكر إسلامي للطلاب في كلية طب جامعة القاهرة في صيف 70/71 ، ثم اقامت جامعة القاهرة أول معسكر طلابي على مستوى الجامعة ككل ، ثم عمت الفكرة في باقي الجامعات ، و قد أتيح لي فرصة الإشتراك في المعسكر الإسلامي لجامعة عين شمس في صيف دراسة 75/76 أثناء الدراسة بكلية التربية ، و كانت هذه المعسكرات تعتبر إحياء للمعسكرات الصيفية التي كان يعقدها الأخوان المسلمين قبل حل الجماعة 1954 ، و كانت بمثابة مدرسة إعداد كادر المستقبل للحركة الإسلامية ، فالبرنامج اليومي في المعسكر كان محاولة لخلق مجتمع إسلامي بتأسيس إرادة المفاصلة مع المجتمع الكبير خارج المعسكر كمحاولة للعودة للمجتمع الإسلامي الأول ، النموذج الفاضل و الأسطوري ، كان يومنا في المعسكر يبدأ قبل صلاة الفجر بساعة على الأقل و بعد الصلاة تعقد حلقات حفظ و ترتيل للقرآن ، ثم طابور الرياضة و الذي ظهر فيه ما يعرف بالشورت الشرعي ، و اثناء تناول الطعام كان قطاع كبير من أعضاء المعسكرات يرفضون تناول طعامهم على الموائد و يصرون عل أفتراش الأرض و تقطيع الخبز و جعله طعام جماعيا و يرفضون أستخدام أدوات المائدة بحجة أن النبي لم يستخدمها ، و كان هناك نظام صارم لمتابعة أداء الصلاة و مراقبة سلوك الأعضاء ، فالراديو لم يكن مسموحا به و قيل لنا أنه فتنة و كان الدعاة يحاضروننا في القضايا الدينية و المجتمعية و ممنوع إقامة حوار مباشر مع المحاضر حتى لا نثير الجدل لأنه فتنة و مدعاة للفرقة ، و كان هؤلاء الدعاة يقدمون حلولا إسلامية للمشكلات التي يعاني منها المجتمع المصري ، و أذكر أنني بعد مرور اربعة أيام فقط تم إخراجي من المعسكر بحجة عدم إلتزامي بقواعده و تمردي على هذه القواعد».

لم تكتفي الدولة بهذا القدر من التورط بل بدات أجهزة الأمن بتأسيس فرق من الطلبة المنضمين للجماعات الأسلامية و الأخوان و أمدادها بالسلاح و أتاحت الفرصة لهم بالتدريب في معسكرات الأمن ، لتبدأ مواجهات عنيفة دامية بين الطلبة المنتمين للتيارات السياسية الأخرى و الإسلامين أثناء تنظيم هؤلاء الطلاب للمعارض و الندوات و الحفلات الموسيقية و المسرحية.

وضح تماما أن المقصود من النظام الحاكم هو إبدال الهوية الدينية بديلا للهوية القومية فهذا يتيح له الفرصة في التغير ، فالشارع سينشغل بالصراعات المفتعلة و سيغض بصره عن التحولات الأقتصادية المزعم الإسراع بها ، كذلك أغفال الأعين عن تردد السادات في خوض الحرب لتحرير سيناء ، إلا أن ذلك لم يثني الطلاب الوطنين في الخروج ضد السادات في عام 1972 بعد اعلانه أن عام 71 عام الحسم ، بدأت شراراة أحتجاجات الطلاب يوم 14 يناير بعد خطاب السادات يوم 13 من نفس الشهر الذي وضح فيه أن السادات يتلكأ في البدأ في عملية التحرير ، بل وضح للطلاب أنه غير قادر على ذلك ، فتم تنظيم مؤتمر عام لطلاب جامعة القاهرة و نشر فيه عدد من مجلات الحائط و الملصقات التي كانت تسخر من الرئيس و قراراته ، و في يوم 15 يناير تصاعدت الأحتجاجات أكثر و بدأت الدعوة للأضراب العام و الأعتصام ، و في يوم 17 يناير عقد مؤتمر طلابي بكلية الهندسة طالب بتسليح الطلاب و وقف كل مبادرات التهدئة (المقصود هنا مبادرات روجرز) ، حاول السادات وقتها أمتصاص غضب الطلاب و قام بتعديل وزراي بتعيين عزيز صدقي وزير الصناعة رئيساً للوزراء ، إلا أن هذا التعديل لم يكن كافيا للحد من غضب الطلاب ، ليخرج آلاف الطلاب إلى ميدان التحرير و ينضم لهم العديد من المواطنين.

في وسط كل تلك الأحداث حاولت كل من الجماعة الإسلامية و الأخوان المسلمين التصدي للطلاب و منعهم من التحرك و إفشال المؤتمر الطلابي إلا أن الاعداد الغفيرة للطلاب وقفت حائل منعهم من ذلك ، كان هذا إعلان مباشر سبقه أحداث أخرى و لكن رفضهم للحراك الشعبي الحاشد و محاولتهم أجهاضه كان إعلان رسمي أنهم أحد أيادي السلطة القمعية ضد الشعب.

نشرت على موقع الحوار المتمدن بتاريخ 28 / 4 / 2015

http://ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=465680

5 نوفمبر، 2014

الديمقراطية الليبرالية تلفظ أنفاسها الأخيرة

خلال العقدين الأخيرين من عمر البشرية بات الشكل الديمقراطي العجوز في أزمة حادة فبعد أنهيار الكتلة الشرقية و أستشعار النظم الرأسمالية أن الساحة اصبحت خالية لهم لتكشف عن وجهها بكافة ما يمتليه Democracy-Quotes-37من قبح ، فخرجت من قمقمها التي دائما ما كانت تختبئ ورائه بأسم الديمقراطية ، لتصبح مراكز صناعة المال هي المسيطر الحقيقي على السياسيين ليس فقط في الولايات المتحدة و لكن في القارة العجوز أيضا ؛ ظهرت نتائج مجلس النواب الأمريكي و التجديد النصفي لمجلس الشيوخ ليعود الجمهورين سيطرتهم على الحياة السياسية الأمريكية مرة أخرى من خلال استحواذهم على الأغلبية سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ ؛ حجم الأموال التي صرفت في تلك الانتخابات زادت عن الثلاثة مليارات دولار في الوقت التي تعاني فيه الخزانة الأمريكية بعد أن وصل حجم الدين الحكومي لأكثر من 17 تريليون دولار (التريليون 1000 مليار) أي ان الدولة الأمريكية معرضة لأعلان افلاسها في أي وقت و قد ظهر ذلك في أكتوبر من العام الماضي عندما أضطرت الحكومة الفيدرالية إلى إيقاف العمل و وقف صرف الرواتب للموظفين في مشهد مثير للشفقة , 16 يوماً توقف العمل تماماً في المؤسسات الفيدرالية و لم تحل المشكلة إلا بعـد صفقة مريبة بين الحزبين المسيطرين على المسرح السياسي الأمريكي ، ليعود الموظفين إلى أعمالهم لتستمر الحكومة في دفع رواتبهم ، و لكن تلك الصفقة كانت في غير صالح المواطن الأمريكي العادي الذي دفع الثمن من خلال رفع سقف الدين الحكومي مما يزيد العبء عليه في زيادة معدل التضخم و بالتالي زيادة في معدلات الأسعار و انخفاض في الأنفاق الحكومي سواء على مستوى الخدمات الصحية و التعليمية ...
143754_600 خلال الحملة الانتخابية ظهرت مشكلة المال السياسي ، كانت القوانين الأمريكية حتى منتصف التسعينات تمنع الشركات من تقديم تبرعات للمرشحين ، و لكن المحكمة الدستورية العاليا و التي يسيطر عليها قضاة ينتمون فكرياً للحزب الجمهوري في قضية شهيرة ألغوا هذا القانون بحجة نه يعارض مبادىء الحريات الأساسية في الدستور الأمريكي ، كما سمح - هذا الحكم - بأن تقوم شركات او أفراد بالتبرع لمرشحين خارج دائرة ولاياتهم مما مكن الشركات من أحكام سيطرتهاعلى النواب من خلال تبرعات بمئات الملايين ، هذا المال السياسي أعطى الفرصة للحزب الجمهوري للعودة مرة أخرى للسيطرة على المجالس التشريعية مما يهدد منظومة قوانين الرعاية الأجتماعية و الصحية التي استطاع "اوباما" خلال فترته الرئاسية و بالتعاون مع حزبه أن يطلقوها التي حاولوا من خلالها تقديم بعض المساعدات للمواطن البسيط ، لكن الغريب في الأمر أن نفس هذا الناخب لم يعطي أصواته لمن ساعده بل ساهم في اسقاطه ، مما يجعلنا نتسائل لماذا يعطي الناس أصواتهم لمن سيأخذ منهم حقوقهم ؟ ! ، فالحزب الجمهوري ضد قوانين الرعاية الصحية و الاجتماعية ، بل أنه ضد أعطاء حق الانتخاب لكل الناس ، ففي خلال الفترة الأخيرة و خصوصا من مؤيدي حركة حزب الشاي طالبوا أن يقتصر حق الانتخاب على دافعي الضرائب فقط ، و منهم من طالب أن تحتسب الأصوات بقدر ما يدفعه الفرد من ضرائب ، اي أن من يدفع مثلا عشرة آلاف دولار صوته يحتسب بعشرة اصوات ، و من يدفع الف دولار يحتسب بصوت واحد ، تلك هي الليبرالية تكشف عن زيفها الطبقي العنصري ، أعود للسؤال لما يعطي الناس اصواتهم لمن سيزيد من بؤسهم ؟ ، أنها الدعاية و الأموال التي أنفقت ببذخ بالغ للتأثير على قرار الناخب.
إن العالم حالياً لا يعيش فقط أزمة أقتصادية عالمية بل أنه يعيش أزمة رؤى سياسية ، فالنظام الأقتصادي الرأسمالي ليس لديه حلول لمشاكله الاقتصادية ، و الديمقراطيات الليبرالية الحزبية أظهرت ضعفها و استسلامها لرأس المال و أنها باتت عجوز رسمت ملامح الزمن على وجهها الكثير من الندوب و التشوهات ، يحدثنا بعض المحللين السياسيين في محاولة لأنقاذ تلك المرأة العجوز في أختصار المشكلة في أنها ازمة قيم فقط متجاهلين الخلل الرئيسي في المنظومة ، و هو النظام الأقتصادي التي تقوم عليه الليبرالية بشكلها العام ، فهي تستند على الرأسمالية سواء في الشكل أو المضمون ، في نفس الوقت يحاول بعض المثاليين أن يعطونا حلول بأبعاد رأس المال عن السياسة من خلال منظومة قانونية ، و لكن من خلال التجارب العملية هل وقف القانون حائلا أمام رأس المال ، فالطرق التي ينفذ منها عديدة و هو يبتكر يوميا طرق جديدة بعيد عن اي منظومة قانونية تحاول أن تكبل وجوده ...
2524_ee81_720 اليوم و نحن على أعتاب جولة أنتخابية ، أعرف ان الكثير يعولون عليها أن تصلح ما تم أفساده ، و لكن الواقع سيكون أكثر إيلاما عليهم ، فالمجلس التشريعي القادم في مصر سيكون منقسم ما بين تيارين أولهم رأسمالي شديد التطرف ظهر ذلك واضحا بعد 30 يونية و الثاني تيار ديني رجعي يستخدم بجانب المال خطاب ديني أستطاع على مدى اربعين عاما منذ سبعينات القرن الماضي أن يسيطر على فكر شريحة كبيرة من المجتمع المصري ، التيارين يتفقون في المبادىء الاقتصادية ، فالأول يريد المزيد من الأموال و بالتالي مزيد من القوة ، و الثاني يطمح بقوة في أخراج الدولة نهائيا من المنظومة الاقتصادية ليأخذ مكانها و يصبح هو الأكثر سيطرة على الشارع ، و الغريب أن النظام الحاكم بعد 30 يونية يجري بخطوات سريعة لأخراج الدولة من دورها الحقيقي و خصخصة كل الشركات الباقية ، حتى الخدمات العامة الصحية و الاجتماعية و التعليمية قل الأنفاق الحكومي عليها ، و الحجة أن الحكومة ليس لديها المال الكافي لذلك في الوقت الذي تتقاعس فيه نفس الحكومة عن استعادة حقوق الشعب و التي ستوفر لها الأموال اللازمة ، بل أنها عادت لنفس المنظومة التي ثار الشعب عليها في 25 يناير من بيع لأراضي الدولة و تدمير لقوتها الأقتصادية كذلك فتح الباب على مصراعيه لصندوق النقد و البنك الدولي ، بالرغم أن تلك المنظمتين معروفين بسمعتهما السيئة و كلما دخلوا دولة أنهوا على أقتصادها بالكامل ، و هناك دول أعلنت صراحة انها لن تتعامل معهم مثال على ذلك الأرجنتين و البرازيل اللذين أمتنعوا من سنوات عن قبول أي قروض ، و اليوم تلك الدولتين أستطاعتا أن تتعافى اقتصاديا ربما ليس بالشكل الكافي و لكن موقفهم أفضل بكثير من موقفنا المزري ...
أوضحت لنا التجربة العملية أن الليبرالية ليست إلا وهما مثاليا في عقول البعض ، أو فرصة ذهبية للمنافقين و المتاجرين بحقوق المواطنين للوصول إلى مبتغاهم ، يجب على القارىء أن يسأل نفسه سؤال في غاية البساطة ، ماذا أعطت لنا الديمقراطية ؟ و يحاول الأجابة و لن يجد ، بل أخذت منه كل شىء و لم يتبقى له إلا الفتات ليبقى ذليل لرأس المال