10 يناير 2019

تطور الحياة السياسية و الاجتماعية فى مصر


1) حكم الترك و المماليك


إن اكبر الأزمات التى تعيشها منطقتنا العربية هى عدم قدرتها على اللحاق بما وصلت إليه الحضارة الإنسانية ، فالمشكلة فى أساسها هى أزمة تطور و ليست أزمة سياسية بل إنها أزمة فى بنية الحضارة العربية أجبرتها على التوقف و عدم اللحاق بركب التطور الحضارى ، لذا لابد البحث فى الأبعاد المسببة لها ، التى عملت على تأصيل تلك العلة الأساسية فى الإنسان و المجتمع العربى ، فالأزمة كما شرحها ”مهدى عامل“(1) حتى نستطيع قراءة الواقع الحالى لابد من قراءته فى ذاته أى بعلاقة قطع مع الماضى ، فالحاضر عند ”عامل“ هو الذى يملك مفتاح الماضى و ليس العكس ، فحركة التاريخ ليست متواصلة بل على العكس تتقاطع مع حركة تطور أنماط الإنتاج المختلفة فى بنيتها ، فلا يمكن – كمثال - قراءة نمط الإنتاج الرأسمالى فى بنية تعتمد نمط الإنتاج الإقطاعى ، فالعلاقة بين هذين النمطين لم تكن أستمرارية يتوالد فيها الثانى من رحم الأول بل هى علاقة قطع على مستوى البنية تولد على أثرها بناء فوقى هى الدولة و أجهزتها ، و عملت على خلق شكل أيديولوجى اثر على حركة الفكر ، الفن ، الدين ، العادات ، الأخلاق … الخ.
فإذاً أخذنا منهج ”مهدى عامل“ فلدراسة الواقع العربى الحالى يجب أن لا تبدأ من التاريخ القديم مع ظهور الإسلام أو ما قبله بل أنها تبدأ مع التطور الذى حدث فى أنماط الإنتاج مع نهايات القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر الذى شهد أيضاً بداية الحقبة الكولونيالية الاستعمارية ، فما حدث فى منطقتنا العربية هو انعكاس لحركة التطور التى حدثت فى أوروبا مع سيطرة البرجوازية و نهاية الحقبة الإقطاعية و تطور علاقات الإنتاج التى ساهمت فى تشكيل الخريطة الأوروبية لتتكون دول و قوميات تتنافس فيما بينها خاصة بعد الثورة الصناعية فى القرن الثامن عشر ، و مع تعاظم الإنتاج و الرغبة فى السيطرة على مراكز المواد الأولية و فتح أسواق جديدة لمنتجاتها بدأت المرحلة الاستعمارية التى وقفت حائلا ً أمام أى قوى برجوازية صاعدة فى الدول المستعمرة يمكن أن تكون منافس و شريك لها ، لتتشكل كيانات كومبرادورية مهمتها فقط تجذير التبعية لدول المركز الرأسمالى ...

لذا فأزمة الواقع السياسى العربى الحالى هو نتاج لأزمة الطبقة المسيطرة على أدوات الإنتاج من خلال تبعيتها للإمبريالية الرأسمالية الغربية ، فالطبقة البرجوازية الحاكمة اليوم بسبب فشلها سياسياً و عدم قدرتها على إحداث تنمية حقيقية تهرب من الصراع الأساسى ”الطبقى“ بتجريد الأزمة من تلك العلاقة و تحويلها إلى صراعات دينية مذهبية أو عرقية ، على الرغم إن حقيقة تلك الصراعات إنها انعكاس للصراع الطبقى و سيطرة الإليجارك البرجوازية التابعة على ناصية الحكم و تهميش عامة الشعب …
هذا يؤكد أنه برغم تخلصنا من مرحلة الاحتلال المباشر لتتشكل دول و أنظمة مختلفة إلا أننا فى الحقيقة لم نتخلص من التبعية البنيوية الكولونيالية ، حتى مظاهر التنمية التى حدثت فى أغلبها ظلت هامشية ، طفيلية ، تابعة و ليست متناحرة مع المركز الرأسمالى – نستطيع أن نستثنى من ذلك تجربة الدولة المصرية خلال فترة الستينات التى شهدت محاولة جادة للتخلص من تلك التبعية.

ما بين الأصولية و الحداثة

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى و تفكك الإمبراطورية العثمانلية يحاول بعض الإسلاميين استرجاع ما سمى بدولة الخلافة ، و يرون إن أستبدال الرابطة الدينية بالرابطة القومية أو الوطنية هو مشروع معادى للدين الإسلامى ، برغم أن الفكر القومى لم يعادى الدين بل كان الإسلام أحد دعائمه إلا أنهم رؤوا فيه منافس لهم فكان لابد من شيطنته و ما أسهل التكفير فى زمن التجهيل ، فى تلك الفترة الزمنية تكونت نهضة فكرية تنامت بين أوساط المثقفين فى البلدان التى شهدت تطوراً فى العلاقات الافتصادية خاصة و أنها رأت تناقض واضح بين مصالح البرجوازية و الإقطاعية من جهة فى مقابل مصالح جموع الشعب خاصة الطبقة الوسطى التى شكلت عماد حركة النهضة العربية فى البلدان الحضارية مثل مصر و سوريا ، فالبرجوازية الصاعدة فى تلك الفترة أرادت أن تلحق مصالحها مع الرأسمالية الغربية التى خرجت من الحرب منتصرة فى نفس الوقت كانت بذرة الحركة القومية و الوطنية فى تلك البلدان قد بدأت فى النمو المتسارع لتنعكس على الأرض فى شكل ثورات و انتفاضات شعبية ، لتأخذ فى التطور لتصبح حركة تحرر وطنى ، استمدت قوتها من التراث إلا أنها لم تستغرق فيه إلى الحد الذى يفصلها عن حركة التاريخ على العكس من التيارات الإسلامية التى حاصرت نفسها بتراث قيد فكرها و كبلها ، بالإضافة إلى أنها دارت فى فلك البرجوازية الساقطة سياسيا و اجتماعياً و هذا ما نراه كمثال فى مصـر اليوم من تكبيل للفكر بدعوى الحفاظ على المكون الدينى و الغريب إن الذى يقود ذلك فى أحيان كثيرة هى نفس البرجوازية التى عادة ما ترفع شعار علمانية و مدنية الدولة و تتخذ من ما يسمى بالإسلام السياسى خصما لها …


من أكبر مشاكل البناء السياسى فى المجتمعات العربية هو التراكم التاريخى و الثقافى ، فلبناء مجتمع عادل حر يواكب التطور الحضارى الذى وصلت إليه الإنسانية لن يستقيم إلا بالثورة على المفاهيم التراثية التى جذرت السلطاوية فى العقلية العربية سواء كانت سلطة دينية أو سياسية ، فالديمقراطية ليست أحزاباً و صنـاديق أنتخابات و لكنها نسق اجـتماعى / سياسى متكـامل يرتكز على أسس أقتصادية و ثقافية و مجتمعية ، يحاول بعض المحللين المحدثين – الليبراليين بالخصـوص و بعـض اليساريين - التعـويل عـلى غياب الديمقراطية بفترة التحـرر الوطنى أنها السبب الرئيسى لغياب المفاهيم الديمقراطية و هى رؤية منقوصة تؤدى إلى نتائج خاطئة ، فهم يغفلون - بعمـد أو بغير عمـد - التراث التاريخى الذى يمتد لأكثر من ألف و أربعمائة عام لم تتكون خلالها مؤسسية سياسية حقيقية يمكن أن تكون قاعدة للتطور بعد ذلك ، و برغم النجاح النسبى للثورات العربية فى خمسينات و ستينات القرن الماضى فى تأصيل مفاهيم التحرر الوطنى – التى غابت اليوم - إلا أنها فى المقابل ورثت تركة مثقلة جعلتها تدور فى نفس الفـلك القديم ، فضلاً عن إنها تجارب غير مكتملة ، فالتجربة المصرية فى الخمسينات و الستيناتكمثال - لم تأخذ الوقت الكافى للتطور ، كذلك السلطات الحاكمة وقتها لم تعى بشكل كامل أهمية الوعى الجمعى للشعوب فجاءت تنظماتها الشعبية مرتبكة و ضعيفة سهلت على الثورة المضادة من اليمين الرجعى و الانتهازيين الذين أشتد عودهم على أثر عدوان 67 و وفاة ناصر أن تقضى على الكثير من الآمال التى كانت معقودة بالوصول بركب التنمية والتحرر الوطنى إلى مقصدها الكامل ، فتطور المجتمعات لا يحدث فى ليلة و ضحها و لكن هو تعاقب أجيال كل جيل يأخذ مما قبله يصحح و ينقح و ينطلق للأمام إلا أن التجربة أجهضت مبكراً سواء من داخلها أو من مؤثرات خارجية ؛ إن تغيير الحاكم أو إعادة بناء الهيكل الاقتصادى للدولة لن يؤدى وحده إلى بناء شكل أكثر رقى و تطوراً للمجتمع و البيئة السياسية بل يجب أن تكتمل معها بثورة ثقافية تعمل على تغيير التراكم الفكرى فى العقلية العربية و بالتالى سيتغير معها النسق الاجتماعى العام للمجتمعات إلى أنساق أكثر مواكبة للتطور الحضارى و المعرفى للإنسان …


مصر و شرارة الروح الوطنية  

بعد خروج الفرنسيين من مصر فى بداية القرن الثامن عشر شهدت الحالة المصرية انعطافه حادة فجاءت ثورتهم على الوالى التركى المعين من قبل الدولة العثمانلية – دولة الخلافة - و بايع شيوخ الأزهر و الوجهاء و مشايخ الحرف المهنية الألبانى محمد علىالذى كان مقرباً منهم بشروط أهمها أحترام القانون و الشورى لتشهد مصر لأول مرة أثر الإرادة الشعبية فى أختيار الحاكم بعد انتفاضة جماهيرية ضد الحاكم العثمانلى ”خورشيد باشاالذى كثرت المظالم ضده ليبرز أسم الألبانى محمد على فقد كان قريبا منهم و خاصة من ”السيد عمر مكرم“ أحد القيادات الشعبية المؤثرة ، و قد تضمن محضر تعيين محمد على والياً فقرة هامة أن من حق الشعب تقييم الحاكم و أن يعزلوه إذا أنحرف عن العدل و سار بالظلم



بدا من الواضح أثر الأفكار التى نقلتها الحملة الفرنسية خلال وجودها فى مصر ، فلا نستطيع أن نهرب من حقيقة الأثر الثقافى و السياسى لها على الحالة المصرية ، فالتماس الفكرى الذى حدث بين الفرنسيين – اللذين كانوا يعيشون حمية الثورة - و المصريين أحدث تغييراً كبيراً فى المفاهيم ، كذلك تطور الأحداث أوضح للعامة ضعف و تفكك الدولة العثمانلية التى لم تستطع أن تقف أمام الفرنسيين فى حملتهم على المنطقة و لولا ثوراتهم الشعبية المتكررة و الحصار الإنجليزى لها فى المنطقة لما خرجوا من البلاد


أول جمهورية على الأرض المصرية بالصعيد


المصريين لم يثوروا فقط على الفرنسيس أو على خورشيد باشا ، فلقد كان هناك العديد من الثورات من قبل على الحكم التركى العثمانلى / المملوكى ، لكننا سنركز إلى ما أشار إليه السيد رفاعة الطهطاوىلأول جمهورية أقيمت على الأرض المصرية خلال وصفه للثورة الفرنسية عام 1830 على الملك شارل العاشر بكتابه ”تخليص الإبريز فى تلخيص باريزحيث أفرد فصلا كاملا عن تلك الثورة كما شرح النظام السياسى الفرنسى و التوجهات السياسية الشعبية و كذلك شرح أسباب الثورة قائلا ً : -
«أعلم إن هذه الطائفة – يقصد الفرنسيين – متفرقة فى الرأى إلى فرقتين أصليتين و هما الملكية و الحرية ، فالمراد بالملكية هم أتباع الملك القائلون بأنه ينبغى تسليم الأمر لولى الأمر من غير معارضة من طرف الرعية ، و الآخرون يميلون إلى الحرية بمعنى أنهم يقولون لا ينبغى النظر إلا فى القوانين فقط ، و الملك إنما هو منفذ للأحكام فقط ، و لا شك إن الرأيين متباينان ، فلذلك كان لا اتحاد بين أهل فرنسا لفقد الاتفاق فى الرأى ، و الملكية أكثرهم من القساوسة و اتباعهم ، و أكثر الحريين من الفلاسفة ، العلماء ، الحكماء و أغلب الرعية ، فالفرقة الأولى تحاول إعانة الملك و الأخرى إضعافه ، و من الفرقة الثانية طائفة عظيمة تريد أن يكون الحكم بالكلية للرعية و لا حاجة للملك أصلا ً ، و لكن لما كانت الرعية لا تصلح أن تكون حاكمة و محكومة وجب عليها أن توكل عنها و تختار منها للحكم و هذا هو ، و يقال للكبار مشايخ و جمهور مثل مصر فى زمن حكم الهمامية فكانت إمارة الصعيد كجمهورية إلزامية»1.
جمهورية همام“ هى إحدى جولات الثورات الشعبية المصرية المتكررة ضد الحكم التركى و المملوكى و التى جاءت بأفكار فى غاية التقدم بالنسبة لتلك الحقبة الزمنية ، للأسف الشديد لا يوجد تأريخ مفصل لجمهورية همام و لكن القليل الذى وصل إلينا من خلال بعض الكتابات المقتضبة لكل من الطهطاوى و الجبرتى ؛ فقد وصفها الطهطاوى بأنها كانت جمهورية إلزامية و هى بذلك نوع من الملكية الشعبية المنتخبة يقترب من نظام التيرانوس أو المستبد العادلTyrannos الذى عرفته اليونان قديماً ، لكن من هو همام صاحب أول جمهورية فى مصر …
شيخ العرب همام زعيم قبيلة الهوارة فى صعيد مصر تشير عدد من الدراسات و الكتابات التاريخية أن اصل تلك القبيلة يعود إلى بقايا الهكسوس الذين احتلوا مصر فى العصور الفرعونية القديمة قبل أن يخرجهم أحمس و يشتت البقية الباقية منهم رمسيس الثانى إلا إن بعضهم أستقر بمصر و عاش فيها و منهم قبائل الهوارة الذين استوطنوا الصعيد ، و لكن لم تكن ”ثورة همام“ هى الثورة الشعبية الوحيدة فقد سبقتها العديد من الثورات المصرية ضد الحكم التركى و أعونهم من المماليك ، لكن ثورة ”شيخ العرب همام“ و جمهوريته المبكرة اشتملت على أهداف وطنية و أجتماعية ، فالثورة كان الهدف الأساسى منها هو التخلص من حكم الترك و المماليك ، أما الهدف الإجتماعى هو ”توزيع الأراضى“ على الفلاحين و تمليكها لهم و استطاعت تلك الجمهورية الوليدة أن تنفذ برنامجها الاجتماعى و استمرت فى الفترة ما بين عام 1765 إلى 1769 اربع سنوات كاملة أستقل فيها الصعيد عن مـصر بداية من المنيا إلى الشلال حتى توفى شيخ العرب همام و انهزمت الثورة بعده و استطاعت جيوش المماليك أن تهزم الفلاحين و قبائل البدو المستقرين2 الذين تحالفوا معهم لتنتهى أول جمهورية شعبية عرفتها الأرض المصرية …
تكشف تلك التجربة الثورية الغير مكتملة عن بذرة صراع جديد بدأ فى التكوين ضد النمط شبه الإقطاعى الذى كان السمة المميزة للحكم التركى المملوكى لمصر فى تلك الفترة كذلك البنية السياسية المصاحبة له ، فالواقع الاجتماعى للبيئة المصرية عانى كثيرا بسببه و اكتملت الرغبة فى التخلص منه ، صحيح لم تختمر مبادئ سياسية و فلسفية نتيجة نهضة فكرية تنويرية لتسفر عن صراع أيديولوجى يعمل على زيادة الوعى لدى الشعوب مثلما حدث فى أوروبا ، فهمام و رفاقه لم يكونوا أصحاب فكر و لم يحدث صراع أيديولوجى نتيجة لتطور ما فى البيئة الفكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلا أنهم أحسوا بفطرتهم بوجوب التخلص من هذا النمط المستغل الذى أصبح كالقيد فى الأعناق ، فنمط الإنتاج شبه الإقطاعى كان يحول الفلاحين الأحرار إلى عبيد للمماليك الذين هم أصلا ًعبيد فى الحقيقة تم استجلابهم من قبل حكام الدولة من بلاد عدة و لكن قوية شوكتهم فاستولوا على الحكم خاصة و أن أستجلابهم كان لاستغلالهم كجنود …

مصر فى ظل الحكم العثمانلى

لا يمكن إنكار إن الحملة الفرنسية على مصر كان لها دور كبير فى تكوين الأفكار السياسية و الاجتماعية بشكلها الحديث ، فالتماس المباشر الذى حدث بين المصريين و الحضارة الغربية استتبعها تغيرات كثيرة فى المفاهيم السياسية و الاجتماعية و أحس الناس بمدى التقدم الذى وصلت إليه الحضارة الغربية خاصة من الناحية العسكرية بينما هم لا زالوا يعيشون فى زمن الفارس و سيفه البتار و حصانه الأشهب ، هذا ينقلنا إلى البدء بقراءة سريعة فى البنية السياسية و الاجتماعية لما قبل حملة بونابرت و البداية ستكون مع دخول مصر فى حوزة الحكم العثمانى عام 1517 بعد هزيمة مماليك البرجية1 و انتهاء دولتهم على يد السلطان سليم الأول ، فبعد تشتت مقاومة المماليك للجيوش التركية تماما و استقرار الحكم لهم بمصر بدأت عملية تأسيس السلطة ، اتبع الأتراك نظاماً سياسياً مكون من ثلاث سلطات تتنازع فيما بينهم و تراقب كل منهم الأخرى …

السلطة الأولى

تمثلت تلك السلطة فى الوالى أو نائب السلطان ، و لُقب بالباشا و تم اتخاذ القلعة مقرا له ، كان يعين من قبل السلطان فهو ممثله و ينقل أوامره لرجال الحكومة و يراقب أعمالها ، و كانت مدة الوالى عادة لا تستمر أكثر من عام واحد ما لم يتم أصدار فرمان بتمديدها لعام آخر ، فالسلاطين فى إسطنبول خشوا بسبب بعد مصر عن مركز السلطنة أن تغرى ولاتها بالاستقلال عنها ، فكانت سلطة الوالى مقيدة و محدودة بتنازعه مع السلطتين الأخريتين بالإضافة إلى قصر فترة ولايته.

السلطة الثانية

تمثلت تلك السلطة فى قواد الحامية العثمانية و كان عددها تقريبا اثنى عشر ألفا وظيفتهم حفظ النظام و الدفاع عن القطر المصرى و تم توزيعهم بين القاهرة و عواصم المديريات و الثغور ، و انقسموا إلى ستة فرق سميت الفرقة بـ الوجاق هم كالتالى : -
* وجاق المتفرقة و كان يتكون منهم حرس الباشا الوالى و لم تكن حامية عسكرية قوية البنيان بل كان أغلبهم من شباب الجنود الصغار قليلى الخبرة و كانوا أقرب إلى التشريفات العسكرية
* وجاق الإنكشاريةو كانوا يسمون أيضاً بالمستحفظان و مهمتهم حفظ الأمن و كان لهم وضع مستقل عن الوالى و سلطة و نفوذ واسع لسيطرتهم على الأسواق و علاقتهم بكبار التجار
* وجاق العزبو أوكل لهم مهمة مراقبة مناطق البدو و القرى المجاورة للمدن الكبيرة و السيطرة عليها
* وجاق الشاويشيةو كانت مهمتهم أقرب للمستحفظان و لكن فى القرى النائية و المدن الصغيرة
* وجاق الهجانةمهمتهم قمع الاضطرابات الشعبية و السيطرة عليها
* وجاق الأسباهيةو كانوا يعتبرون سلاح الفرسان فى الحامية العسكرية
* ثم أضافت الدولة العثمانية بعد ذلك وجاق آخر أطلق عليه الشراكسة
كان قائد الحامية العثمانية يطلق عليه الأغا أى رئيس الفرقة ، و نائبه أطلق عليه الكتخدا ، و اقدم الضباط كان يسمى باش اختيار ، أما الضباط فأطلق عليهم الوجاقلية“ ، بالإضافة إلى الدفتر دار ، و الخازندار ، و الروزنامجى اللذين عهد إليهم بالأمور المالية و الإدارية …
و كان من هؤلاء الضباط يتكون مجلس شورى الباشا (الديوان) الذى كانت سلطته مراقبة قرارات الباشا ، فالقرارات لا تنفذ إلا بموافقة الديوان عليها و إذا اختلف الضباط مع الباشا كان يتم رفع الأمر إلى الآستانة لحسمه ، و من سلطة هذا الديوان المطالبة بعزل الوالى و تعين آخر من قبل الباب العالى
تلك السلطة العسكرية حدثت بها تغيرات مع الوقت و حتى بات وجاق الإنكشارية – قائد المستحفظان – بمثابة القائد العام للحامية العسكرية و اطلق عليه أغا الإنكشارية …

السلطة الثالثة

استخدمت الدولة العثمانلية المماليك اللذين أعلنوا طاعتهم للسلطان كحكام للمديريات – سنجقية - لتكون كسلطة ثالثة تحفظ التوازن بين الأولى و الثانية ، و هؤلاء المماليك سماهم الجبرتى بـ الأمراء المصريين“ ، و أُطلق على حاكم المديرية لقب سنجق ، كما أنخرط العديد منهم فى إدارة الشئون المالية و الإدارية للولاية فكان منهم كبار الموظفين الكخيا“ و هو وكيل الوالى ، الدفتر دار ، أمير الحج ، الروزمانجى ( مدير إدارة الضرائب و الخراج) ، أمين الضربخانة( دار سك العملة ) ، القافلة باشى و هو المسئول عن التفتيش على القوافل القادمة أو الصادرة من البلاد ، المحتسب و مهمته مراقبة الأسواق و أسعار السلع ، و الكثير من المناصب الإدارية الأخرى فكانت البلاد بين ايديهم ...

عودة سيطرة المماليك

لم يستمر هذا الشكل من الحكم كثيرا ، فالسلطات الثلاثة كانت تتنازع فيما بينها للسيطرة على حكم البلاد ، و استطاع فى البداية قواد الحامية العسكرية من إحكام سيطرتهم و كانوا هم الحكام الحقيقيين ، وصل الأمر إلى أن الوالى لم يكن يخرج من القلعة إلا بإذن منهم ، لكن سيطرة هؤلاء القواد ضعفت مع الوقت خاصة و إن الدولة العثمانلية بدأ يصبها الضعف و التفكك بسبب الحروب المتواصلة خاصة مع كل من روسيا القيصرية و النمسا التى أدت إلى استدعاء كبار قواد الحاميات العسكرية و جزء ليس بالقليل من عساكرهم الموجودين فى الولايات للمشاركة فى تلك الحروب ، و استعان الأتراك لسد العجز بالمصريين كجنود خاصة فى قوة المستحفظان و فى حماية قلاع الثغور ، كما تفشى الفساد فى السلطة الحاكمة للدولة بالآستانة
فى مقابل ذلك زاد نفوذ المماليك فمع كثرة تغير الولاة و استدعاء كبار القادة للمشاركة فى الحروب ، و كان جزء ليس بالقليل من الوجاقلية قد اندمج مع الأهالى و اختلطوا بالمماليك و تزاوجوا معهم و اقتنوا أملاك و أراضى فضعف ارتباطهم بالدولة العثمانية ، بينما المماليك احتفظوا بقوتهم و استكثروا من الجند الذين كانوا يشترونهم من بلاد القوقاز و الشركس ، و أصبح منهم الوجاقلية بالإضافة إلى سيطرتهم على إدارة الحكومة المدنية و المالية ، فالديوان تغيرت معالمه و أصبح يتكون من أربعة و عشرين ”بك“ هم سناجق المديريات و قلاع الثغور حتى تلاشت بشكل كبير سلطة الدولة العثمانية لتصبح فقط شكلية حتى إن تعيين الوالى أصبح مشروط برضا المماليك عنه1 ، و كان زعيم المماليك الذى لقب بـ شيخ البلدهو الحاكم الفعلى للبلاد

الحياة الاجتماعية و الاقتصادية مصر

كانت مصر مركزا تجاريا عالميا فمركزها الجغرافى جعل منها ملتقى القارات الثلاثة أفريقيا ، آسيا ، و أوروبا و كانت تجارة الشرق تقريبا بأيديها ، و قد جذب هذا المركز التجارى الكثير من الجاليات الأجنبية الذين استوطنوا البلاد و كان غالبهم من الإيطاليين و الفرنسيين و الأروام و كانوا يقيمون فى القاهرة ، الإسكندرية ، السويس ، القصير ، دمياط و رشيد إلا أنها فقدت الكثير من هذا المركز الممتاز بعد أكتشاف الرحالة البرتغالى فاسكو ديجاما طريق رأس الرجاء الصالح ، فتحولت حركة التجارة إلى المحيط الأطلنطى بالإضافة إلى الاحتلال العثمانى لها و أنهار أسطولها التجارى و العسكرى الكبير …
بعد أن أستقر الأمر للعثمانلية فى مصر جمع السلطان سليم الأول رؤساء الصناعات المتخصصين و المهرة و نقلهم معه إلى الآستانة لينشروا فيها صناعتهم و فنونهم فكان ذلك سببا فى نضوب الكثير من الصناعات و الفنون و يقول فى ذلك المؤرخ الكبير أبن إياس فى تأريخه لتلك الفترة الزمنية التى عاصرها : «إن السلطان سليم خرج من مصر و معه ألف جمل محملة بالذهب و الفضة فضلا عن التحف و السلاح و أعمدة الرخام و الصينى و النحاس ، و أخذ من مصر من كل شئ أحسنه ، و ذلك عدا ما غنمه وزراؤه من الأموال الجزيلة ، و كذلك عسكره فأنهم غنموا من النهب ما لا يحصى ، و بطل من مصر نحو خمسين صنعة»

التقسيمات الاجتماعية فى مصر

لا يوجد إحصاء دقيق للسكان فى مصر فالأرقام المذكورة فى المصادر التاريخية تتراوح ما بين ثلاثة و أربعة ملايين نسمة ينقسمون إلى عدة طبقات و هم كالتالى

أولا المماليك و الأتراك

هم طبقة الحكام فى تلك الفترة يسيطرون على الحياة السياسية و كان عدد المماليك لا يزيد عن عشرة آلاف مملوك منهم أحرار و أرقاء ، كان منهم الأمراء و الكشافين و الوجاقات و الأجناد و الأتباع ، و من الملاحظ أن عددهم لا يزيد بالتناسل فأغلب المصادر استقرت على أن المماليك كانوا قليلى النسل و كانوا يحافظون على تواجدهم بشراء الأرقاء من أسواق الرقيق فى الآستانة و كان أغلبهم من الشركس ، بالإضافة إلى عدة آلاف قليلة من الترك لا تزيد عن ثلاثة أو أربعة آلاف و أغلبهم كانوا ضمن الحامية العسكرية العثمانية و بعضهم كان من ضمن كتبة الدواوين ”الأفندية“ …

ثانيا طبقة العلماء و الآباء الروحين

هم رجال الدين من الدارسين بالأزهر و كان لهم تأثير كبير على العامة فهم استأثروا بالزعامة الشعبية و تعود إليهم أغلب الحركات السياسية التى حدثت فى أواخر القرن الثامن عشر و التاسع عشر إلا أنهم أفتقدوا الرؤية السياسية وإن حدثت تطورات فيما بعد على أثر الحملة الفرنسية و التأثيرات السياسية و الثقافية و الاجتماعية التى أحدثتها و سيأتى ذكر هذا بالتفصيل فى الأجزاء التالية

ثالثا طبقة التجار و الملاك

سكن هؤلاء الحضر فى المدن الكبيرة و المتوسطة فى الأقاليم المختلفة ، غالبهم تجار صغار فقراء و عدد قليل منهم كانوا يعتبروا من كبار الملاك الأغنياء و كان بينهم عدد من التجار الأجانب إلا أنهم لا يستقروا فى القاهرة سوى شهور قليلة كل عام و تركزت تجارتهم فى منطقة خان الخليلى حيث امتلكوا المحلات و كان يأتون من أزمير و القسطنطينية و بغداد و حلب ببضائع من تلك المناطق و يرحلون بعد ثلاثة أو أربعة اشهر مع بضائع أخرى عند العودة ، كما يمكن إلحاق بعض من الوجاقلية و الأفندية كتبة الدواوين من العثمانيين الذين استوطنوا البلاد ، فقد اقتنوا البيوت و الأملاك صاهروا أهلها فاندمجوا مع الشعب المصرى و صاروا فى عداد أفراده ، و قد كان للتجار الكبار نفوذاً ليس بالقليل فهم أغنى الطبقات تراكمت ثرواتهم من خلال تجارتهم الخارجية كما ذكرنا من قبل فمصر كانت مركز التجارة بين الهند و أوروبا و استطاعت تلك الفئة أن تحقق ربحا وفيرا من تلك الميزة الجغرافية و كانت لهم سطوة كبيرة و على العكس من الزراع فلم يعانوا بشدة من فداحة الضرائب و الإتاوات التى كان يتم فرضها عليهم و التى كانت تحرمهم من ثمرة كدهم ...
أما صغار التجار فهم يعملون تقريبا لصالح الكبار ، فهم يأخذون منهم البضائع بالدين ثم يعيدوا بيعها بالأسواق و يتم محاسبتهم بالأسبوع ، و غالبا ما كانت تنتهى تجارتهم بالإفلاس بسبب الاحتكارات الكبيرة و الإتاوات التى كانوا يدفعونها للمحتسبين و المماليك و الضرائب التى كان يتم فرضها عليهم ...
أما فى الأرياف فكانت هناك طبقة الملاك أو الأعيان و هؤلاء عرفوا بسعة الثروة و الجاه و السطوة ، كان أغلبهم مصريين أُصلاء من سلالة الفراعنة و النذر القليل منهم من كبار مشايخ البدو ، و سنأتى بالتفصيل لاحقاً للتعرف على تاريخ الملكية الزراعية و كيف نشأت فى مصر.

رابعاً طبقة الفلاحين

مثل الفلاحون الشطر الأعظم من الشعب المصرى ، و كانوا فى حالة يرثى لها من الفقر و الجهل ، لم تهتم الدولة العثمانلية برعاية الزراعة فى مصر فأهملت مشروعات الرى و الصرف ، و كثرت حالات التنازع على المياه بين المزارعين ، هذا فضلا عن نمط الملكية الذى حرم الفلاحين من الأرض و الضرائب الفادحة التى كان يتم فرضها عليهم

خامساً طبقة الصناع

لم تكن الصناعات الكبيرة معروفة على مستوى العالم كذلك فى مصر بالنسبة لتلك الفترة التاريخية ، فكانت الصناعات تعتمد نظام الورش الصغيرة ، و المعلم الذى يمتلك ورشته و يعمل بها و الحرفى الصغير (الصبى) الذى يتعلم على يديه ليصبح معلم فيما بعد و قد يكون لدى المعلم صبى أو أكثر لكن عادة لا يزيدون عن ثلاثة صبية ، و انتظم هؤلاء الصناع فى طوائف تشبه النقابات اليوم و لكل حرفة طائفة يرأسها شيخ يسمى ”شيخ الطائفة“ و يكون له نائب أو وكيل له فى المدن المختلفة يشرف على أحوال الصنعة و يقوم بحل المشاكل بين أفرادها و لم يكن حال الصناع مختلف كثيرا عن الفلاحين و إن كان أفضل نسبياً …
و قد ذكر فى كتاب ”وصف مصر“ المجلد الأول إن عدد سكان القاهرة كان يتراوح ما بين 250 إلى 300 ألف ، و الإسكندرية لم يكن يسكنها سوى ثمانية آلاف رغم أنها كانت أكثر عددا من ذلك بكثير فى عهود سابقة مثل عهد البطالمة الذى وصل فيه عدد سكان الإسكندرية إلى ما يزيد عن 200 ألف و يرجع التناقص الكبير فى عدد السكان إلى تأثير أكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح مما تسبب فى ندرة السفن التى تصل إلى الميناء فكسدت التجارة بشكل كبير مما أدى فى النهاية إلى هجرة الكثير من السكان هذا فضلا عن الأمراض التى كانت تحصد البشر بالآلاف مثل وباء الطاعون الذى حدث فى فترة سيطرة ”على بك الكبير“ على الحكم عام 1791 حيث كان يحصد هذا المرض الآلاف يوميا ، و يذكر الجبرتى أن القاهرة وحدها قد خسرت فى هذا الطاعون ثلث سكانها هذا يدل على مدى التدهور الذى وصلت إليه البلاد تحت حكم المماليك و العثمانيون و للحديث بقية ... 
______________________________________________
الهوامش
1) راجع كتاب مهدى عامل أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية
2) يشير الأستاذ لويس عوض فى كتابه ”تاريخ الفكر المصرى الحديث من الحملة الفرنسية إلى عصر إسماعيل“ إنه من المؤسف إن طبعة وزارة الثقافة لكتاب الطهطاوى أسقطت منها الإشارة إلى” جمهورية همام“ ، و أن هذا النص مأخوذ عن طبعة 1905 (طبع على ذمة مصطفى فهمى الكتبى بجوار الأزهر) صفحتى 196 – 197 ، يقابله نص وزارة الثقافة الناقص صفحتى 252 – 253 ،و سقطت أيضاً فى النسخة الموجودة بين أيدى كاتب تلك السطور ، و هى طبعة مؤسسة هنداوى للتعليم و الثقافة - 2012 صفحتى 231 - 232


3) أنقسم البدو فى مصر إلى قسمين قسم أستقر و عمل بالزراعة و صار اقرب إلى التحضر ، و آخر لم يعرف الاستقرار و فضل الترحال و الحياة على أطراف المدن و القرى و عاشوا على النهب و السلب 
4)  انقسم المماليك إلى قسمين الأول و هم المماليك البحرية اللذين استجلبهم أمراء الأيوبيين و كانوا أغلبهم من وسط آسيا و شمالها من البلدان التى احتلها التتار و فر العديد منهم هربا و وقع عدد منهم فى أيدى تجار الرقيق فباعوهم فى الأسواق ، كان أول من استكثرهم هو الملك الصالح نجم الدين أيوب و جعل منهم حراس و جند له و اسكنهم بجزيرة الروضة إحدى جزر النيل القريبة من القاهرة ليكونوا بعيدين عن قلب المدينة لذلك سموا بالبحرية ، أما المماليك الآخرين فأنهم جلبوا للبلاد بعد ذلك و سموا بالبرجية نسبة إلى الأبراج التى كانوا يقطنوها فى القلعة و فى أنحاء المدينة و كان معظمهم من الشركس و القوقاز و تكونت منهم دولة المماليك الثانية و التى انهزمت أمام العثمانيون بعد ذلك لتنتهى حقبة حكم المماليك بعد حكم قرنين و نصف من الزمان.

5)  نقل لنا الأستاذ عبد الرحمن الرافعى فى كتابه" تاريخ الحركة القومية و نظام الحكم فى مصر" ما كتبه المستشرق الفرنسى مارسل Marcel عن سلطة المماليك قائلاً "أنحصر تاريخ مصر من منتصف القرن السابع عشر إلى آخره فى تعاقب الباشوات على ولايتها فتولاها 22 والياً لم يكن لهم شأن يذكر فى حكومتها ، فكان الواحد منهم يشترى منصب الولاية من ديوان الآستانة و يبقى شاغلا للمنصب عام أو عامين و لا يستقر فى منصبه إلا إذا ترك الأمور للبكوات المماليك الذين كان منهم شيخ البلد و هو الحاكم الفعلى للبلاد ، و يظل الوالى فى منصبه لا عمل له إلا جمع المال و استصفاؤه من أهلها بمختلف وسائل النهب إلى أن يغادر منصبه و هو فى الغالب لا يخرج منها إلا مسجونا أو مطرودا أو منفياً أو مقتولاً" 

6) الجزء الثالث من كتاب "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" لأبن إياس


المصادر
1- أزمة الحضارة أم أزمة البرجوازيات العربية ، مهدى عامل – دار الفرابى – الطبعة الخامسة – 1987

2- تاريخ الحركة القومية و تطور نظام الحكم فى مصر (الجزء الأول) ، عبد الرحمن الرافعى – مطبعة النهضة – الطبعة الأولى – 1929

3- تاريخ الدولة العثمانية (المجلد الأول) ، يلمظ أوزتونا – مؤسسة فيصل للتمويل – 1988

4- تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار – د. خليل اينالجيك – ترجمة د. محمد م. الأرناؤوط – دار المدار الإسلامى – الطبعة الأولى 2002

5- تاريخ الفكر المصرى الحديث من الحملة الفرنسية إلى عصر إسماعيل ، د. لويس عوض – مطبعة مدبولى – الطبعة الرابعة – 1987

6- تاريخ دولة المماليك فى مصر ، السير وليام موير – ترجمة محمود عابدين و سليم حسن – مطبعة مدبولى – الطبعة الأولى – 1995

7- وصف مصر ، علماء الحملة الفرنسية – ترجمة زهير الشايب – دار الشايب 1984

8- تاريخ مصر من عهد المماليك إلى نهاية عصر إسماعيل ، مستر جورج يانح – ترجمة على أحمـد شكرى – مكتبة مدبولى - 1996

9- بدائع الزهور فى وقائع الدهور – تأليف محمد بن أحمد بن إياس الحنفى – مؤسسة حسيب درغام و أولاده – الطبعة الأولى – 1992

10 – الدولة العثمانية المجهولة – تأليف د. أحمد آق كوندز ، د. سعيد أوزتورك – وقفية البحوث العثمانية – 2008

11 – تخليص الإبريز فى تلخيص باريز – رفاعة رافع الطهطاوى – مؤسسة هنداوى للعليم و الثقافة - 2012

12- فصول من تاريخ مصر الإقتصادى و الإجتماعى فى العصر العثمانى – د. عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1990



2 سبتمبر 2018

ثورة تكنولوجية تؤسس عالم "ما بعد الرأسمالية"

يعيش العالم منذ منتصف تسعينات القرن الماضى ثورة صامتة ، هى ثورة المعلومات التى استطاعت بهدوء شديد زلزلة الكثير من المفاهيم الاقتصادية التقليدية و عظمت أزمة النظام الرأسمالى الذى يعيش أزمات متعددة خاصة منذ تخليه عن التنظيم الكنزى التى اعتبرت فترته أزهى فترات الرأسمالية حتى أطلق على فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بالعصر الذهبى للرأسمالية ، لتأتى السبعينات ليتراجع التنظيم الكنزى للاقتصاد و تتغير بالتالى البنى الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية …

عرفت الرأسمالية منذ أكثر من مائتى عام أن الحركة العمالية سيصبح لها تأثير كبير على العملية السياسية و توجهاتها و ظهر هذا عندما كتب فى تلك الفترة السياسى و الصحفى البريطانى جون ثيلوال محذراً «إن كل ورشة كبيرة أو مصنع هو نوع من المجتمع السياسى لا يستطيع أى برلمان إسكاته و لا تستطيع أى محكمة حله» ، تلك الكلمات كانت بمثابة إنذاراً مبكراً لها ، و هذا ما تعلمته الرأسمالية و كان أحد عوامل تدافعها للتحول الكبير الذى شهدته إلى الأتمتة الذى بدأت أولى خطواته أوائل سبعينات القرن الماضى و الانتقال تدريجياً إلى الاستغناء عن خطوط الإنتاج التقليدية التى تعتمد على قوة عمل العامل و مهاراته ، لتأتى أواخر الثمانينات ليبدأ عصر سيطرة الآلة على العملية الإنتاجية ، و اصبح خط الإنتاج الذى كان يقوم على أدراته ما بين 300 إلى 350 عامل لا يديره أكثر من خمسة أو ستة أفراد يجلسون أمام شاشات المراقبة لمتابعة عمل الآلة التى أخذت مكان العامل …

المبدأ الأهم للرأسمال تاريخياً ليس زيادة الإنتاج و لكن تخفيض الكلفة الإنتاجية حتى يستطيع زيادة تراكم الأرباح لديه من خلال البيع بأقل سعر ممكن لإزاحة منافسيه ، و يشرح لنا ”آرنست ماندل“ فى كتابه ”النظرية الاقتصادية الماركسية“ كيف تم ذلك :
«لقد رأت صناعة السجائر النور فى الولايات المتحدة فى ستينات القرن التاسع عشر ، و فى البداية كان كل العمل يدوياً و لم يكن العامل المختص يستطيع أن يلف أكثر من 3000 سيجارة فى يوم عمل كامل مدته 10 ساعات ، و فى عام 1876 كانت تكاليف الأجور 96٫4 سنت لكل ألف سيجارة من ماركة محددة ، و قد قدمت آنذاك إحدى الشركات جائزة قدرها 75٫000 دولار لاختراع آلة لصنع السجائر ، و عرض”بونساك“فى عام 1881 آلة عقلانية تنتج من 200 إلى 220 سيجارة فى الدقيقة و تخفض الأجور من 96٫4 سنت إلى 2٫00 سنت لكل ألف سيجارة و كان فى وسع آلة واحدة من تلك الآلات أن تنتج كل السجائر التى كانت تصنع باليد فى الولايات المتحدة فى عام 1875...»

أدى هذا التغيير فى العملية الإنتاجية إلى مجموعة كبيرة من التحولات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية بإلغاء العديد من الضوابط التى كانت تحكم العملية الاقتصادية ، فبسبب الإسراع فى التحول إلى الأتمتة بداية من سبعينات القرن الماضى اثر هذا على الطبقة العاملة خاصة الأوروبية و الأمريكية التى بدأ عددها يتقلص فى مقابل الآلة التى أخذت مكان العاملين ، و بالتالى تأثرت الأسواق بانخفاض القدرة الشرائية لدى جانب كبير من المجتمعات فكان لابد للرأسمالية التى شعرت بالأزمة تزلزل الأرض تحتها بضرورة الوصول إلى حل لتلك المشكلة فالبضائع المنتجة لن تجد من يستطيع شرائها لتجد الحل فيما سمى ببطاقات الائتمان Credit Card ، لكنه لم يكن حل جذرى للمشكلة فلم يكن أكثر من عملية تأجيل للانفجار و نقلها إلى جانب آخر ، لكن هذا الحل الورقى كان بداية لتحولات أكبر فيما عرف بالتوريق المالى للاقتصاد و لهذا قصة أخرى أكبر ليست الغرض من تلك السطور ... 
 
لم تتوقف عمليات التحديث فقط على الأتمتة و الذكاء الصناعى ، تبع ذلك ظهور قوة اقتصادية جديدة هى المعلوماتية التى كانت بمثابة ثورة علمية جديدة لها تأثيراتها الكبيرة على العملية الاقتصادية ، فقد أفرزت عن رافد اقتصادى جديد اندفعت الرأسمالية للاستفادة سريعاً منه و السيطرة عليه فى وقت لم تتبلور بعد طبيعته و لم تتضح أمام الجميع بنيته الأساسية ، لتنطلق بأواخر الثمانينات شركات على سبيل المثال مايكروسوفت ، آبل و آى . بى . أم مهيمنة على هذا الرافد الجديد لكن تلك الهيمنة بدأت حالياً فى التحلل أمام طبيعة البنية الأساسية للمعلوماتية و اقتصاديتها ، فطبيعة المعلوماتية لا تعترف بالاحتكار بينما فى المقابل تلك الشركات قائمة على مبدأ أحتكار المعرفة و بالتالى أحتكار المنتج القائم عليها ؛ إن طبيعة قوة المعلوماتية التى تعتمد فى أساسها على الابتكار و التجديد المستمر لا ترتكز على مفاهيم احتكارية فى كينونتها التى تعتمدها الرأسمالية ، هذا أدى إلى ظهور قوة رفض مجتمعية تمثلت فى مفاهيم جديدة أسسها ريتشارد ستيلمان و هو مطور أمريكى الجنسية تمرد على تلك المفاهيم الاحتكارية و قرر وضع مفاهيم جديدة تناهض الفكر الرأسمالى الاحتكارى ليؤسسحركة البرمجيات الحرة“ …

إن طبيعة الإنتاج المعلوماتى تختلف أقتصاديا عن المنتج الصناعى التقليدى ؛ فحتى ستينات القرن الماضى كان علماء الاقتصاد يرون أن المعلومات سلعة عامة“ حتى أتى عالم الاقتصاد كينيث آرو ليؤسس مفهوم جديد ؛ وجد آرو أن هناك روافد اقتصادية جديدة لها طبيعة خاصة تعتمد على الخلق و الابتكار الدائم فأشار إلى مفهوم حقوق الملكية الفكرية للمعلومة و المنتج القائم عليها ، القضية ليست بتلك البساطة بل هى أكثر تعقيداً بكثير خاصة مع انتشار و سيطرة الشبكات على حياتنا ، فقوة المعلوماتية ازدادت لتكون ما يمثل العقل العام للمجتمع ، فهى لا تقتصر فقط على البرمجيات بل تعدتها إلى عاداتك الحياتية اليومية التى باتت جزء من المعلوماتية ، فكل شئ أصبح عبارة عن معلومة و بات تحت المراقبة و التحليل و السيطرة ليتحول إلى سلعة يتم تداولها ، ميعاد نومك ، استيقاظك ، نوع المواصلات التى تستخدمها ، الطعام الذى تقوم بطلبه عبر التليفون و أشياء أخرى كثيرة كل تلك الأشياء باتت جزء من شبكة المعلومات الكبيرة التى أصبحنا جزء منها …

شكلت المعلومات بالنسبة للرأسمالية سلعة يمكن تداولها و بيعها ، إلا أن تلك السلعة كان من المستحيل تسعيرها ، لذا أخذت شكل التخمين فلا توجد معايير واضحة يمكن الارتكاز عليها لمعرفة ثمن تلك المعلومات محاسبياً ، كما الحال مع حقوق الملكية الفكرية التى تعتمد على التخمين أيضاً فى تثمينها ، فلا توجد أيضا معايير ثابتة يمكن من خلالها تقدير ثمنها …

الأزمة التى وقعت فيها الرأسمالية هى أن تلك المعلومات مع الوقت تفقد قيمتها التسعيرية حتى تصل إلى الصفر ، فالمعلومة بطبيعتها متغيرة و متقلبة ، فلا توجد آلية ثابتة لتطورها و نموها أو اضمحلالها ، فهى تفيد فى توقيت محدد للحظة آنية تختلف نتائج تحليلها بتغير العوامل المؤثرة على صنعها ، كذلك سهولة نقل المعلومة بنسخها و نشرها و بالتالى تفقد قيمتها التسعيرية التقديرية لتصل إلى الصفر المطلق ، لذا فالشركات لا تستطيع أن تشرح لحملة الأسهم الأسس التى يتم من خلالها حساب قيمتها التسعيرية ، فهى تحتوى على مخاطر ليست ضمن الأطر الاقتصادية فالمتغيرات المؤثرة لا يمكن حسابها لتكون المعلومة / السلعة واحدة من أكبر عناصر الخلل فى المنظومة الاقتصادية الحالية و التى أصبحت تعتمد عليها بشكل كبير …

هذا ينطبق أيضا على المنتج المعلوماتى – البرمجيات - مثل نظم تشغيل و تطبيقات الحاسب الآلى لكن بشكل مختلف قليلاً ، حيث تقل تكلفة أنتاجها مع توالى الإصدارات ، حتى تصل إلى مستوى متدنى للغاية و بالتالى فى النظام الرأسمالى الاحتكارى تتزايد الأرباح إلى نواتج متضاعفة ، لذا جاهدت الرأسمالية للحفاظ على هذا النمط للحصول على مزيد من المكاسب ، لكن المجتمعات لا تقف مستسلمة ، من هنا أتى نموذج مخالف للنموذج الرأسمالى يعتمد على المجتمع فى أنتاج أحتياجه من نظم تشغيل و تطبيقات يتمثل ذلك فى أنظمة التشغيل جنو / لينكس و تطبيقاتها التى تعتمد فى صنعها على مجتمعات من المطورين و المستخدمين يقومون بإنتاج ما يحتاجه المجتمع العام منها ؛ هذا النموذج يعتبر مثالا عمليا واضحا لنمط جديد قد يؤسس لحقبة إنتاجية قادمة ، تعتمد فى أساسها على قوة المجتمع فى إنتاج احتياجاته ، أشار إليها عدد من المفكرين الاقتصاديين أنها شرارة تأسيس عالم بـ ما بعد الرأسمالية ، و لكن هل يصلح هذا النموذج للأنماط الإنتاجية الأخرى مثل المنتجات الصناعية الفيزيائية … ؟ !

إن تلك النقلة النوعية هل يمكن اعتبارها إشارة إلى عودة الأفكار الشيوعية مرة أخرى لتفرض نفسها على حركة التاريخ أمام السياسات الاقتصادية المتحررة ، و يحضرنى هنا سلافوى جيجكفى كتابه ”بداية كمأساة و أخرى كمهزلة عندما قال «على المرء أن يمنح كل الثقل لمصطلحات المواطنة العالمية و الاهتمام المشترك حتى يصل إلى الحاجة لتأسيس منظمة عالمية تعدل و توجه آليات السوق و تشرح وجهة نظر الشيوعية بطريقة مناسبة ...»
تلك النقلة النوعية تفرض علينا تساؤل آخر هل ما يحدث هو محاولة إحياء جديد مقارب لنمط الإنتاج الشيوعى ... ؟ ! ، ربما يكون ما يحدث يقترب من شكل التمرد على النمط الرأسمالى التى قامت بعملية تسليع لكل شئ حتى الإنسان و قدراته الابداعية مما أستوجب البحث عن نمط أنتاج مختلف يحرر الإنسان من قيود السوق الرأسمالى ، ساهم على انتشار تلك المفاهيم ظروف و أجواء حضارية حديثة – شبكة الأنترنيت - أتاحت للبشرية التواصل مكونة شكل حضارى أنسانى متجدد يتخطى الحدود السياسية ، القوميات ، الإثنيات و الأديان ترتكز على الإنسان بوجوده المجرد و ترتقى بحالته الفردية إلى حالة مجتمعية إنسانية لتخلق نمط إنتاج تناحرى مع النمط الرأسمالى …

من الملاحظ فى هذا النمط الإنتاجى الجديد المستحدث أنه يقارب بشكل كبير مع ما طرحه كارل ماركس إن الرأسمالية هى مرحلة تاريخية و ستتجاوزها المجتمعات ببناء ”المجتمع الشيوعى ، فإذا تابعنا هذا النمط الإنتاجى الجديد فهو فى وجهه الأول نمط يقوم على إنتاج قيم تبادل منفعة تقوم على تحويل مباشر لعدد من العلاقات – نشاط العمل ، الإنتاج ، الاستهلاك ، و العلاقة بين الفرد و المجتمع – و ينظمها فى إطار من التوازن الدائم ، أما فى وجهه الثانى فهو ينتج سلعاً فى إطار احتياجاته و قدراته أى انه يقوم على الحاجة ، لتصل بنا تلك التجربة إلى مواجهة مباشرة لعامل ”الاستلاب السلعىالذى أشار إليها ”كارل ماركس“ فى ”مخطوطات 1844 الاقتصادية و الفلسفية، فهو يحرر الفرد و المجتمع من قانون السوق و تحقق سيطرة المجتمع على مصيره بإلغاء مبدأ الملكية الفردية و إبداله بالملكية المجتمعية التشاركية فى العملية الإنتاجية بخلق نموذج جديد للإدارة الأعمال لا يعتمد على قيم أسمية للأسهم أو حجم المساهمة المادية و الملكية فى الرأسمال بل يعتمد على القدرة الإنتاجية للفرد المشارك فى العملية الإنتاجية فهو لا يملك بل إن الصانع و المستهلك يقفون على نفس الدرجة من السلم الذى تم كسره من الأساس لتبقى درجة واحدة يقف الجميع عليها متساوين ، لا حدود تفرق بينهم ، فتلك التجربة تجاوزت مفهوم الملكية التقليدى إلى آخر مغاير ، فالسلعة المنتجة يجب أن يكون لها قيمة استعمال و قيمة تبادل ، لكن هذا النمط أخرج مفهوم التبادل السلعى (السوق) ليبقى مفهوم الحاجة ، أى انه يختزل القيمة فى الاستعمال أو الحاجة لتكون هى أساس العملية الإنتاجية ، لتحل قيم المنفعة المجتمعية بديلا لقيم التبادل السوقى ، من هنا جاءت تسميةاقتصاد المشاركةالتى أطلقها البعض على هذا النمط الإنتاجى لتعبر عن قيمة تشاركية مجتمعية لتكون هى العامل المؤثر فى العملية الإنتاجية ، ليطرح تساؤل هل هذا النمو سيستمر متكاملاً مع إنسانيته لينطلق و يتطور لبناء فترة انتقالية بين الرأسمالية و الاشتراكية لبناء طريق التغيير الشامل … ؟ !
 
علمنا التاريخ أن أى نموذج اقتصادى بديل ينشأ هو إما انعكاس - فى غالبه - لأزمة النموذج الجارى ، أو تطوير ما حدث فى العملية الإنتاجية أدى إلى ضرورة إخراج النموذج القديم من المعادلة ، و فى حالتنا العاملين مؤثرين بشكل كبير فلا زالت تعانى الرأسمالية فى الخروج من أزمتها التى باتت شبه مزمنة حيث لا يزال علماء الاقتصاد يحذرون إن فترة الكساد ستستمر لفترات أطول ، فبطء خطوات الخروج من تلك الأزمة حثيث للغاية و المردود الاجتماعى و السياسى المضطرب الذى نراه اليوم بات يغلف العالم بحروب مستعرة مصطنعة و اضطرابات أجتماعية و سياسية ، فزيادة المعاناة الاقتصادية للطبقة العاملة هى نتيجة لتلك للأزمة ، كذلك انتشار الأفكار الفاشية الدينية و العنصرية التى أطلقتها الرأسمالية محاولة الهروب و الخلاص من أزمتها الحالية ، و على الجانب الآخر عمليات التطوير المستمر فى منظومة العملية الإنتاجية التى أضافتها المعلوماتية وضعت كافة النماذج القديمة فى مأزق بعدم قدرتها على مجاراة هذا التحديث ...

استطاع هذا النموذج البديل كسر حالة التبعية ، فهو بتناحره مع مفاهيم الاحتكار يخلق نمط مخالف يعطى حق المعرفة و التطوير و الإنتاج للجميع ليكسر السيطرة الاحتكارية التى فرضتها دول المركز الرأسمالى على دول الأطراف ، ليؤسس أزمة جديدة فى بنيتها ، فالمنظومة الرأسمالية نتيجة لنموها و تطورها الطبيعى لا تستطيع العمل إلا فى ظل الاحتكارات ، لكن فى ظل هذا الاضطراب الذى تشهده الرأسمالية بدأت تنمو أقتصاديات شبه مغايرة استطاعت أن تحقق قفزة واضحة فى الاقتصاد العالمى و تؤكد وجودها ، استفادت تلك الدول من الفرصة الكبيرة التى أتاحتها المعلوماتية بأشكالها المتعددة و فى خلال السنوات الأخيرة شاهدنا تجارب ناجحة فى كل من البرازيل و الهنـد و عدد آخر من البلدان تشجع العمل بأنظمة و تطبيقات تقوم على مبدأ البرمجيات الحرة و المصادر المفتوحة للخروج من حصار الاحتكار الذى فرضته الرأسمالية للسيطرة على مقدرات الشعوب و نهب ثرواتها ، لتنطلق دولة مثل الهند لتؤكد وجودها الاقتصادى و العلمى و تطوره بإطلاق سفينة فضاء إلى كوكب المريخ لتنجح من أول محاولة فى الوصول إلى هذا الكوكب معتمدة على تكنولوجيا و برمجيات تنتهج مفاهيم البرمجيات الحرة و المصادر المفتوحة بتكلفة متدنية للغاية ، و فى البرازيل قامت وزارة التعليم بمبادرة بدأت منذ عام 2008 فى إحلال أنظمة التشغيل جنو / لينكس ، و البرمجيات الحرة لتحل بديلا للبرمجيات المغلقة المصدر المحتكرة ، هذه المبادرة تخدم أكثر من 52 مليون طالب على مستوى دولة البرازيل ، و هناك تجارب أخرى ناجحة فى كل من كوبا و روسيا و فنزويلا ...

حقوق الملكية الفكرية نموذج للسيطرة الرأسمالية

يقول دكتور سمير أمين فى كتابه ما بعد الرأسمالية المتهالكة : «إن الآثار البعيدة المدى للثورة العلمية و التقنية الجارية ، إذا كانت الثورة – تحديداً المعلوماتية و الأتمتة التى تدفعها – تعبر عن نفسها بواقع أعلى من الإنتاج المادى ، فيمكن الحصول عليها بعمل أقل (لكن أكثر مهارة و تخصصاً) و رأسمال أقل فى آن ، فيجب أن نستنتج إذاً أن نمط الإنتاج الرأسمالى قد أستنفذ دوره التاريخى ، لأن الرأسمال مبنى على سيطرته على العمل ، بكلام آخر لم تعد علاقات الإنتاج الرأسمالية تسمح باستمرار تراكم دائم ، فهو الذى يحدد مهمتها التاريخية»

وقعت الرأسمالية فى فخ لاهوت الخلاص حين طرحت نفسها على أنها أيديولوجية إنقاذ البشرية ، فإذا كانت الشيوعية طرحت أن الطبقة العاملة هى التى فى أيديها الخلاص ، فى المقابل طرحت النيوليبرالية الرأسمالية إن الشركات المتعددة الجنسيات و رجال الأعمال و المؤسسات المالية و صندوق النقد و البنك الدولى و منظمة التجارة العالمية و قادة الدول الصناعية الكبرى فى ايديهم الحل السحرى ، حتى باتت أجتماعاتهم و القرارات التى يتوصلون لها بمثابة اللاهوت الجديد للعالم ... 
 
نجحت الرأسمالية من خلال منظمة التجارة العالمية بداية من منتصف التسعينات أن تؤسس لنفسها ميزة تفضيلية من خلال إعادة صياغة مفاهيم حقوق الملكية الفكرية و الصناعية للحفاظ على سيطرة الشركات الكبرى عابرة الأوطان لخلق عقبات و حواجز لأى محاولة تحرر مستقلة عن المركز الرأسمالى ، و خلال العشر سنوات الأخيرة تحاول المنظمة تمرير ما أطلق عليه International Business Law - القانون الدولى للأعمال - الذى تم صياغته لتشكيل منظومة قانونية فوق الدولة الوطنية ، لتتحول المنظمة إلى الحاكم الفعلى لدول الأطراف التى لا زالت تعيش أنماط إنتاج ما قبل الرأسمالية

استطاع نمط الإنتاج المعلوماتى تعميق أزمة الرأسمالية ، فمفاهيم حقوق الملكية الفكرية يمكن تجاوزها خاصة فى الإنتاج المعلوماتى ، للتعرف على ذلك يجب معرفة طبيعته الإنتاجية ؛ تتم صياغة تطبيقات الحاسب الآلى من خلال إحدى لغات البرمجة ، فى نفس الوقت يمكن إنجاز نفس المهمة باستخدام لغة برمجة أخرى ، أو ابتكار خوارزمية ما لتنفيذ مهام ، فيأتى آخر بابتكار خوارزمية أخرى عن طريق عناصر و عمليات مغايرة تقوم بنفس العمل متخطية القيود التى تضعها قوانين حقوق الملكية الفكرية ، فالحلول فى الإنتاج المعلوماتى متعددة و متنوعة و لا حدود لها و هذا ما استفاد منه مناصرى حركة البرمجيات الحرة“ و ”المصادر المفتوحة بإنشاء برمجيات شبيهة بالتى تحتكرها الشركات الكبرى باستخدام حلول مبتكرة متخطية كافة عقبات مفاهيم الحقوق الفكرية …

مع انتشار شبكة الأنترنيت أدت التقنيات الرقمية و عالم الشبكات المتنامى و بسبب الصراع المحتدم بين الشركات المنتجة للمحتوى الإبداعى و الناشرين من جهة و بين المستخدمين / المستهلكين من جهة أخرى بات واضحاً أن هناك فجوة كبيرة بين الجهتين لا يمكن بأى حال من الأحوال إغلاقها بسهولة ، فعالم الإنترنيت يعتمد فى الأساس على اللامركزية و الحرية فى تداول المحتوى ، لكن فى المقابل الشركات المحتكرة أرادت فرض وصايتها على الشبكة ، فكان لابد من إيجاد صيغ جديدة لحقوق الملكية الفكرية تناسب طبيعة هذا العالم الجديد و بالتالى على نقيض من المفاهيم التقليدية لحقوق الملكية الفكرية Copyright Model الذى أصبح تقريبا غير مجدى نظرا لطبيعة عالم الشبكات الرقمى الأكثر رحابة فى التداول بدون الحاجة فرضيا لوسيط فيزيائى كالأقراص الضوئية أو الورق أو شرائط الفيديو كاسيت … الخ ، ليسفر عن ظهور نموذج معاكس هو الحقوق المتروكة أو Copyleft Model التى أدت إلى انطلاق صيغ أخرى مشتقة منها ما عرفت بأسم المشاع الإبداعى“ أو Creative Commons ، و التى استطاعت خلال فترة وجيزة أن تؤكد وجودها فى عالم المحتوى الإبداعى بشكل ظاهر ، بدأت مفاهيم المشاع الإبداعى مركزة على الإنتاج الفنى و الثقافى ، لكنها اليوم تعدتها إلى الإنتاج الفيزيائى الصناعى ، تطورت مفاهيم المشاع الإبداعى ليتم تأسيس مؤسسة غير هادفة للربح تقف ورائه ، و نتيجة لحماس و إيمان العديد من المشاركين فى هذا المشروع أصبح لها مكاتب و فروع فى أكثر من خمسين دولة …

تتضح مهمة المشاع الإبداعى فى كونها حلا وسطاً بين نموذج كل الحقوق محفوظة و نموذج الحقوق المتروكة أو الملكية العامة ، بناها المؤسسيين على مبدأ إن المنتج الإبداعى تزداد قيمته الاجتماعية بزيادة عدد الأفراد المستفيدين منه ، بالإضافة إلى ذلك أن تلك المنتجات الفكرية ليست معرضة للاستهلاك بالمعنى المفهوم المادى ، و بالتالى لا تخضع للقصور الطبيعى ، فالأبداع البشرى غير محدود …

إنها محاولة لإعادة بناء المجتمع على أسس الحرية الإنسانية و ليس مبادئ السوق ، و البحث عن بدائل فى مواجهة التناقضات التى نعيشها اليوم بين نظام السوق القائم على مبدأ الندرة و الشح ، فى مقابل المعلومة التى أُساسها قائمة على الوفرة و الإتاحة

إن زيادة محاولات التمرد و تنوعها على نظام السوق الرأسمالى تؤكد مدى الأزمة التى يعيشها اليوم ، فالمجتمعات بدأت تشعر بفشل المنظومة من الأساس و هذا ما نلاحظه فى العديد من الانتفاضات الجماهيرية فى اليونان ، أسبانيا ، فرنسا ، انجلترا و أخيرا ما نراه من حراك جماهيرى فى الأردن … حتى فى أمريكا باتت حركة احتلوا وول استريت معبرة بشكل كبير داخل المجتمع الأمريكى عن رفض نظام السوق ، و لكن هل تكفى حركات التمرد تلك و الاحتجاجات الجماهيرية المتشرذمة لإحداث تغيير ؟ ! ؛ ما يحدث فى العالم اليوم يؤكد إننا فى حاجة ضرورية إلى مشروع عام يتقاطع مع حركة التاريخ ليؤسس مجتمع آخر جديد أكثر نضجاً ، عدلاً ، و حرية ، فما نشاهده اليوم من تصاعد للصراع الطبقى بسبب عدم المساواة الاجتماعية و الاقتصادية و فشل الديمقراطية البرجوازية فى إيجاد حلول بسبب بنيتها المضطربة يؤكد ضرورة البحث عن مخرج للإنسانية من أزمتها التى تسببت فيها الرأسمالية و البحث عن بديل عادل أجتماعيا و اقتصاديا تتجاوز مفاهيم الملكية الخاصة و المضاربات فى البورصات إلى اقتصاد أكثر عدلا يهتم بالإنسان المجرد ، و علاقات سياسية لتكون فى خدمته و ليست فى خدمة مصالح الشركات الكبرى المسيطرة و المحركة للأوضاع السياسية ، لننطلق معاً إلى الحل و لنتذكر كيف خرجت علينا النيوزويك الأمريكية فى إشارة لتحولات قادمة فرضتها فشل المنظومة الرأسمالية عندما عنونت صفحتها الرئيسية فى عددها بـ 19 فبراير 2009 قائلة نحن جميعا اشتراكيون الآن!