10 يوليو، 2009

دكان شحاتة ... يا ترى باقي مننا أيه !!

ربما تأخرت في الكتابة عن الفيلم لكني لم أرد التعجل في الحكم ، فقد سمحت لي الظروف أن أشاهد الفيلم في أسابيعه الأولى ، لكن عادة ما تكون المشاهدة الأولى سريعة خصوصا إني منذ فترة ليست بالقصيرة عزفت عن الذهاب للسينمات و اكتفيت بالحصول على الأفلام فور صدور نسخة ألـ DVD ، أو إذا تثنى لي الحصول على نسخة جيدة من الشبكة أحاول اقتنائها ، و لكن هذه المرة المشاهدة جاءت مضاعفة مرة على شاشة السينما و المرة الثانية عندما استطعت الحصول على نسخة جيدة منه DVDScreen و هي النسخة التي توزع على النقاد قبل عرض الفيلم لتسهيل الكتابة عنه ، لذا جاءت نسخة رائعة الجودة.

vlcsnap-2009-07-08-20h43m32s4

أعود للفيلم الذي يأخذنا في رحلة خاصة جدا ، من لحظة البداية مع الاحتفال بخروج شحاتة من السجن في الاحتفالية التقليدية التي عادة ما نراها على شاشة السينما بالنداء على المساجين لتعريفهم بانتهاء مدة أحد المسجونين ، و لنعرف من خلال الاحتفالية أن شحاتة انتهت مدة سجنه و أنه سيرث من ظهر أبوه – كما ذكر في النداء – ميراثه ، وهو العصب الأساسي للصراع بين شحاتة و أخواته ، لتبدأ بعدها القصة مع كلمات جمال بخيت و ألحان و صوت أحمـد سعد “ مش باقي مني غير شوية ضي في عنيا ” ، مع هذه الكلمات المليئة بالشجن نشاهد بطلنا شحاتة وهو يستكمل إجراءات الإفراج عنه ، يستخدم خالد يوسف شريط الصوت الذي تزامن مع الأغنية في تقديم عرض لحالة المجتمع المصري اليوم ، فعند وصول شحاتة إلى مدرية الأمن لاستكمال إجراءات الخروج ، نشاهد جهاز للتلفزيون في مكتب أحد الضباط يعرض نشرة أخبار ، ليتحدث المذيع عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق ، ثم يتحدث المذيع عن أزمة الغذاء و البطالة في مصر التي وصلت إلى درجة خطيرة ، هذه المشاهد السريعة تشعر كأنها تعريف لشحاتة بالعالم الجديد الذي سيخرج له ، عالم أختلف تماما عما كان يعرفه قبل سجنه أو عزلته ، عالم متفجر في أحداثه و تغيراته لا تعرف ماذا يمكن أن يحدث غدا ، يتواكب ذلك مع لقطات سريعة للمجتمع المصري و إلى أين ذهب ، فالعنف و الفوضى السمات الأساسية في هذه اللقطات من هجوم أهالي إحدى المناطق على قطار محمل بالقمح و الاستيلاء عليه و توزيعه على أنفسهم في إشارة لغياب دور الدولة و يأس الأهالي من إيجاد دور لها فحاولوا هم القيام بهذا الدور الغائب ، يقف شحاتة يشاهد كل ذلك و في عينه تجد نوع من الدهشة و الألم وهو يتساءل “ هو إيه اللي بيحصل ده ”.

vlcsnap-2009-07-08-20h51m50s127

يأخذنا بعدها خالد يوسف في لقطات سريعة للعناوين الرئيسية للجرائد في تلك الفترة ، ليذكرنا و يعرف بطلنا بما حدث خلال الثلاثين سنة الأخيرة ككارثة الدويقة ، قبلة منتصر الزايدي لجورج بوش ، أحداث 6 إبريل ، حريق مجلس الشورى ، مجزرة غزة ، معبر رفح ، كارثة العبارة السلام ، نقل رمسيس الثاني ، أنفلونزا الطيور ، إعدام صدام حسين ، حريق مسرح بني سويف ، اغتيال الشيخ أحمـد ياسين ، صفر المونديال ، موت عرفات ، الاحتلال الأمريكي للعراق ، زلزال 91 و العديد من الأحداث و الكوارث التي عشناها أخيرا.

ينقلنا المخرج بلا تمهيد إلى لحظات ميلاد شحاتة ، و كيف كانت لحظات ميلاده الأولى ، و التي شهدت أيضا وفاة الأم أثناء الولادة ، ليصبح هذا الولد يتيما منذ اللحظة الأولى لميلاده ، ليأخذه الأب إلى القاهرة حيث يعمل ، لنعرف أثناء انتقال الأب للقاهرة وهو في القطار بتواتر خبر مقتل الرئيس السادات و إعلان حظر التجول ، في إشارة لميلاد بطلنا شحاتة ، و كأنها لحظة انتقال ليست فقط لبطلنا بل هي لحظة انتقال لشعب بالكامل ، و في نفس الوقت إشارة للجيل الذي ولد في تلك الفترة ، فأول ما يشاهده هذا المولود هي دبابات تجوب شوارع القاهرة التي باتت فجأة كميدان للحرب.

أعذروني إذا كنت أطلت في وصف الافتتاحية الخاصة بالفيلم ، التي أستطاع خالد يوسف أن يقوم بعمل بانوراما كاملة عن ما حدث في مصر خلال ثلاثين عاما تقريبا أي منذ مقتل السادات إلى اليوم ، الفيلم مليء بالإشارات و الرموز ، فالدكتور مؤنس رمز للبرجوازي الناصري الذي يؤمن بحق العيش للجميع فيعطي حجاج الجانيني قطعة من الأرض ليقيم بها محله لبيع الفاكهة ، بالرغم من أصوله الوفدية فعلى لسان حجاج نعرف أن مصطفى النحاس باشا كان صديق لعائلة الدكتور مؤنس.

vlcsnap-00044

استطاع خالد يوسف أن يوظف الصراع بين شحاتة و إخوته في رؤيته السياسية التي يقدمها في الفيلم و المعبرة بالتالي عن اتجاهه السياسي الناصري كانت واضحة للجميع في مشهد الأب مع أبنه شحاتة عندما أهداه الابن شريط كاسيت عليه السيرة الهلالية لتظهر صورة عبد الناصر معلقة على الحائط لينبهنا لوجودها الأب بطلبه من الابن تحريك الصورة ليغطي الشرخ الموجود على الحائط في إشارة أن الإصلاح لن يأتي إلا إذا عدنا لطريق الناصرية لكن الصورة لم تستطع أن تغطية الشرخ الذي أصبح أكبر من الصورة ، كأنه يقول أن ما يحدث حاليا من فوضى و عشوائية أكبر مما فعله ناصر ليبني.

يأتينا يوسف بإشارة أخرى لينبهنا لكارثة أكبر ، بيع فيلا الدكتور مؤنس ليسكن فيها السفير الإسرائيلي ، كأنه ينبهنا للكارثة التي تحدث حاليا فكل شيء يباع بدون أن نعرف لمن ، بل وأحيانا نعرف و نسكت أو يتم إسكاتنا !

و يأخذنا المخرج في جولة للتعرف على السلبيات من خلال بحث شحاتة عن أهله فنرى العنف في الشوارع و الإهمال في المستشفيات ، و تاجر السمين الذي أصبح يبيع الماء ، و يفاجئنا كاتب السيناريو بالحل يأتي على لسان “غباوة” ، بقوله “الناس محتاجة فتوة محتاجة بطل” ، في إشارة لفشل المعارضة في مصر بسبب اختفاء البطل الشعبي.

الرمز الأكثر سخرية في الفيلم من الوضع القائم حاليا ، و الذي أعتقد أن خالد يوسف و كاتب السيناريو يقصدونها بشدة ، ليست من خلال مشهد بعينه بل هو من داخل سياق أحداث الفيلم بأكمله.

يتبع !