23 مايو، 2010

الرأسمالية : قصة حب !

MM_Wallpaper_1024x768_R1_01_nm

هذا هو العنوان الذي أختاره مخرج فيلمنا اليــوم "مايكل مور" ، أنه يبحث عن اسباب هذا الحب القبيح الذي يربط الأمريكان بما يسمى بالرأسمالية ، فكان عليه أن يستكشف أو يكشف لنا - و هذا هو التعبير ألادق – عن أسباب هذا الحب الذي يجمع أمريكا بالرأسمالية و هو الجشع ، ليس جشع الشعب الأمريكي ، ولكنه جشع أصحاب رؤوس الأموال اللذين لا يكتفون بما يمتلكونه بل يتصيدون الفرص لأخـذ ما يمتلكه الفقراء حتى لو كانت منازلهم التي يسكنون بها.

في فيلمه السابق Sico كان موضوعه الأساسي هو قوانين الـتأمين الصحي أو الرعاية الصحية كما يفضل أن يسميها الأمريكان ، و كيف أستغلوا هذا الهدف النبيل لتوفير رعاية صحية متكاملة للشعب لكسب مزيد من المال لصالح الرأسماليين ؛ يبدأ "مور" فيلمه بقصة أسرة أمريكية بسيطة سيتم إلقاءها في الشارع بسبب عدم وفائها لقرض أستدانوه من أحـد البنوك ، ربما البعض يرى أنها مشكلة فردية إلا أن الفردي يصبح عام عندما يكون النظام بأكمله مدان ، فالقرض الذي فشلت تلك الأسرة في تسديده ، ما هو إلا جزء من عملية نصب كبيرة تقوم بها البنوك ، فصاحب المنزل يشرح لنا في موقف آخر كيف أنه بدأ في تسديد اقساط القرض في البداية 1200 دولار ، ثم فجأة اصبحت الأقساط 1700 دولار ، ثم ارتفعت لتصبح 2300 دولار لتبدأ مشكلات الإعجاز في السداد لدى الأسرة ، و يتم الحجز على منزلهم في نظير المبلغ المتبقي من القرض ...

قصة قد تواجهها في حياتك ، و قد تبتلي أنت بها إذا سعيت وراء الأوهام التي يتم نشرها من خلال الإعللانات التي تطاردنا أينما كنا " أشتري عربة جديدة بتقسيط مريح" ، و في النهاية تجـد انك تدفع أضعاف ثمن تلك العربة ، أو جدد منزلك و نحن ندفع لك في البداية و سدد كما تشاء ، هكذا يتحدثون في إعلاناتهم ، لتقع في الشرك الذي تم نصبه لك.

و تستمر رحلة السيد "مور" لتصل إلى أحـد مراكز الرأسمالية و هو شارع وول ستريت حيث المقر الرئيسي لبورصة نيويورك ، و هي أكبر بورصة في الولايات المتحدة ، لنكتشف خلال رحلته أن من هنا تدار الأمبراطورية الأمريكية ، و ليست واشنطن ، فهنا تسن القوانين و القرارات ، دهاليز المؤامرات السياسية ، هذا المبنى هو الذي يتحكم في الكونجرس الأمريكي ، بل أيضا يتحكم في الحروب ، و كيف ربح هؤلاء الرأسماليين مليارات الدولارات من قرارات الحرب و موت الآلاف من البشر حتى تكتظ خزائهم بمزيد من الأموال ...

capitalism-6

في وسط كل ذلك يتفتح لنا الأمل عندما يصل مور برحلته إلى إحدى الشركات التي يمكن أن نطلق عليها شركة تعاونية يمتلكها عمالها في تجربة توضح لنا مفهوم الإشتراكية ، كيف أن كل العاملين في تلك الشركة يمتلكون حصص متساوية بها ، و الشركة تدار بشكل ديمقراطي الكل له صوت في الإدارة من اصغر عامل حتى مدير الشركة و بالرغم من ذلك فأنها تحقق ارباح تصل إلى 15 مليون دولار سنويا ، في ظل ظروف عمل إنسانية و إدارة ديمقراطية.

هنا لابد و أن نعود إلى فيلم "مور" السابق Sico مرة أخرى ، و لنتذكر لقاءه مع السيد توني بين العضو السابق في البرلمان الإنجليزي ، حيث كان الحوار عن الديمقراطية يقول السيد بين :

"أن القوة في أيدي الأغنياء ، إذا كنت تملك المال فسوف تحصل على كل شىء ، الصحة ... التعليم ... و كل شىء ، و الديمقراطية تعطي الفقير حق التصويت ، و من هنا تتحرك القوة من السوق إلى مراكز الإقتراع ... إن الديمقراطية أكثر الأشياء ثورية في العالم ، أكثر بكثير من أية افكار أخرى ، و لكن إذا كان لديك القوة تستعملها لتلبية حاجات مجتمعك ، و الرأسماليين يتحدثون دائما عن حرية الإختيار ، ولكن حق الإختيار لا يعتمد فقط على الحرية ، فإذا كنت مقيد بالديون ، فلن تكون لديك حرية الأختيار ، فأنت في تلك اللحالة تكون بائسا ، و البائس لا يستطيع أن يختار ، لذا فإذا أختار الفقراء ممثليهم الصالحين في البرلمانات ستكون هي الثورة الحقيقية ، لذلك هم لا يريدون أن يحدث ، فهم يريدون إبقاء الناس في بؤس و تشاؤم ، فهناك طريقتين للسيطرة على الشعوب ... أولا تخيفهم ، و ثانيا تحبطهم ، فأمة متعلمة و واثقة يصعب حكمها ، فالرأسماليين لا يريدون ان تكون الشعوب متعلمة ذو صحة جيدة و واثقين من أنفسهم لانهم في تلك اللحظة يصبحون خارج السيطرة .... و من غرائب العالم أن 1% يمتلكون 80% من ثروات العالم ، و المدهش أن الناس تحملوه ، لأنهم فقراء ... محبطين ... خائفين ! "

نعود إلى "مور" و رحلته في الكشف عن قصة الحب تلك ، و نشاهد بحثه حول المليارات التي جمعها الرأسماليين من جراء الأزمة الإقتصادية العالمية ، فتلك الأزمة الخاسر الوحيد فيها هم الفقراء ، فللحفاظ على مكاسب الأغنياء يتم تسريح آلاف الفقراء من وظائفهم ، فشركة مثل جينرال موتورز سرحت ما يزيد عن 40,000 موظف أصبحوا فجأة عاطلين لتحتفظ هذه الشركات بنفس نسب مكاسبهم و لا يهم ماذا يحدث للآخرين ...

theawfultruth

أتذكر هنا سلسلة الحلقات التلفزيونية The Awful Truth أو "الحقيقة المفزعة" التي كان يقدمها "مور" عام 1999 و حربه مع الفساد في أمريكا و كيف كان يستخدم السخرية بشكل رائع في نقـد الشخصيات الفاسدة خصوصا في الحلقة الثانية من تلك السلسلة عندما أنتقـد "بيل جيتس" فهو يحقق أرباح تصل إلى 79 مليار دولار سنويا اي أكثر من دخل 230 مليون أمريكي ، اي رجل واحد يساوي 230 مليون شخص ، هو لا يحقد عليه بل يثني على ذكاءه الخارق و موهبته ، و لكن هل من الطبيعي أن يتفوق شخص واحد على كل هؤلاء ... الإجابة أنها الرأسمالية فمكسبك لا يأتي إلا من إفقار الآخرين يجب عليك أن تجذب ما في جيوبهم لتضعها في جيبك لا يهم ماذا تقدم لهم مقابل ذلك لكن المهم هو كيفية أن تضع تلك الأموال في جيبك ، لنصل إلى قمة السخرية عندما ينزل "مور" إلى الشارع في مسابقة تخيلية بين الفقراء و الأغنياء حول بعض الأسئلة و الأحاجي البسيطة الساخرة ليفوز الفقراء في تلك المسابقة لنكتشف أنهم ليسوا بعباقرة و لكننا نعطيهم اكثر من قدرهم و إننا نتنازل عن حقوقنا حتى البسيطة منها ...

أن عبقرية مايكل مور تنبع من بساطته و قدرته على توصيل أفكاره ببساطة بعيدة عن تعقيدات التورية و الإسقاط المعروفين في السينما الروائية ، فهو يظهر في الفيلم بشخصيته برغم أن مقاييسه الجسمانية خارج المعتاد على شاشات السينما عجوز مسن ثقيل الحركة يلبس ملابس بسيطة للغاية ، ساخر ، و إن كانت سخريته من النوع المؤلم ، تتحرك الكاميرا معه بتلقائية لا نجد تشكيلات أو زوايا تصوير خاصة فكل شىء طبيعي كانها عينيك التي قد تكون مشوشة أحيانا ، مهتزة في أحيان أخرى ، شريط الصوت طبيعي متدفق ، هي بالفعل سينما وثائقية توثق للحقيقة...

أعود مرة أخرى لرحلتنا مع "مور" و قصة حبه مع الرأسمالية – و يبدو أن أطرافي بدأت في التعب ... كم أنت متعب أيها "المور" – ، و يبدأ "مور" في شن حربه على الرأسمالية ، و يذهب إلى البنوك راكبا العربة المصفحة المعروفة لنقل النقــود ليطالب بأموال الشعب الأمريكي التي يسرقونها ، بل و يطالب بإعتقال مديري تلك البنـوك فهم المجرمين الحقيقيين اللذين يضعون القواعد القانوينة للنهب و السرقة ، و يبدأ "مور" في إحاطة تلك المباني بشريط أصفر من النوع الذي يستخدم في مواقع الجريمة – لا أعرف لماذا أحسست أنه يسخر من سينما هوليود التقليدية التي تعتمد على الإثارة من خلال الجرائم لجذب المشاهدين – وهو يدعونا لأن ننضم له بل و نسرع في الإنضمام له و يطالبنا بالثورة من خلال أغنية نستمع لها مع نهاية الفيلم و هي النشيد الأممي للحزب الشيوعي مع بعض التعديلات و بتوزيع جديد يذكرنا بموسيقى برودواي الشهيرة

 

 

أستمع للأغنيــــة

Tony Babino - L'Internationale

أفيقوا أيها العمــال

أنهضوا أيها السجناء

سبب الثورة قوي

سلاسل الكرة و الجشع و الخوف

لتبتعد كل مخاوفكم

فالجماهير الذليلة ستنهض

سنغير القوانين القديمة

و سنحصل على حقوقنا

سيجتمع كل الرفاق

لنواجه معركتنا الكبيرة

فالأمة كلها ستتوجه نحو النصـر

هيا أيها الرفاق لنقـم بثورتنا

لا مزيد من الخداع

سنعلن حربنا على الطغاة

جحافل العمال ستتحرك و تعلن الإضراب

فهم لن يحاربوا أكثر من هذا

إذا كان هؤلاء آكلي لحوم البشر يحاولون البقاء

فسوف نضحي بأنفسنا

و على كل منا القيام بواجبه

وسنستمر حتى نهزمهم

هيا أيها الرفاق فلنقم بثورتنا