6 يوليو، 2010

و رحل مفكر آخر “نصر حامد أبو زيد“

يبدو ان سنة 2010 زاد فيها عدد الراحلين بدأ من اسامة أنو عكاشة كاتب الليالي ، للشاعر الجميل محمـد عفيفي مطــر ، و اليوم نصحوا على خبر وفاة الكاتب و المفكر الدكتور نصر حامد أبو زيد
arton3660
نصر حامد ابو زيد لم يشأ القدر أن ألتقي بهذا الرجل إلا على صفحات كتبه و مقالاته و اعجبت بجرائته في البداية ، ولكن مع مرور الزمن و زيادة الخبرات بدأت اعيد قراءة ما كتبه لاتفق معه في أغلب ما كتبه ، بل كنت ارى تطابقا غريبا بين افكار كانت تراودني كثيرا و بين ما أقراءه بين صفحات كتب هذا الرجل ، ثم جاءت المهزلة الكبرى عندما قام شخص لن اذكر أسمه حتى لا أكون سببا في التعريف به فهو اقل ما يوصف أنه ضحل العقـل ، ليرفع قضية بردة الدكتور العالم ، و وجوب تفريقه عن زوجته ، و كان القانون المصري للأسف في ذلك الوقت يأخذ بمبدأ "الحسبة" ، كان نصا قانونيا قديما عفا عليه الزمن استغله هذا الشخص و نجح في الحصول على حكم قضائي نتيجة لما كتبه عبد الصبور شاهين في تقرير عن بحث تقدم به الدكتور ابو زيد بعنوان "نقد الخطاب الديني" ، و الذي أنتقد فيه اسلوب الفكر السلفي و تأويل القرآن ، و الأخذ باسلوب التفسير النصي للقرآن بدون الرجوع للحدث التاريخي و الأسباب ، مما أثار غضب أصحاب الفكر السلفي و أتهموه بالزندقة و الكفر و الإلحاد.
نسي هؤلاء أن النص الديني تتعدد فيه القراءات حتى بينهم و بين بعض فأختلاف العلماء معروف على مدار السنين ، كانت اشكالية ابو زيد الرئيسية مع منتقديه أنه يأخذ بالإتجاه العقلي في تفسير المورثات فأتهم مرات بالعلمانية – كانها تهمة - و مرات بأنه يحبوا في رحاب المستشرقين الغربيين ، و لكن في الحقيقة أنه اراد إخراج فهمنا للدين من تابوهات قديمة لن تاتي ثمارها مع متطلبات هذا العصر ، و  أنتهاج منهجا حداثيا مخالفا لمناهج السلف في قراءة جديدة في الخطاب الديني أراد أن ينأى به عن التطرف و الغلو في الأحكام ، اراد أن يكون الإسلام نظيفا من أفكار مازالت تنكر ما أصبح اليوم من بديهيات التفكير حتى عند الأطفال ، اتذكر منذ سنوات عندما نشرت فتوى للشيخ ابن باز ان الارض ثابتة و ان الشمس هي التي تدور حول الأرض ، اثارت تلك الفتوى الكثير من اللغط حتى أن تلاميذ هذا الشيخ نشروا أنه أنكر فتواه بذلك ولكن للاسف الشديد تناسوا هؤلاء أن الشيخ الجليل نشر فتواه في كتاب بعنوان " الأدلة النقلية و الحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب و على جريان الشمس و القمر و سكون الأرض" ، عنوان طويل خصص هذا الكتاب لإثبات ان الشمس هي التي تدور حول الأرض.
ibnbaz
يقول الشيخ في صفحة 21 من الكتاب : " فلقد شاع بين الكثير من الكتاب ،و المؤلفين ، و المدرسين في هذا العصـر ، أن الأرض تدور ، و الشمس ثابتة ، و راج هذا على كثير من الناس ، و كثر السؤال عنه فرأيت أن من الواجب أن أكتب في هذا كلمة موجزة ترشد القارىء إلى أدلة بطلان هذا القول و معرفة الحق في هذه المسالة ، فأقول قد دل القرآن الكريم و الأحاديث النبوية و إجماع علماء الإسلام ، و الواقع و المشاهد على أن الشمس جارية في فلكها كما سخرها الله سبحانه و تعالى ، و أن الأرض ثابتة قارة قد بسطها الله لعباده و جعلها لهم فراشا و مهدا و أرساها بالجبال لئلا تميد بهـم ، قال الله تعالى : ( أو لم ير اللذين كفروا أن السموات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهم و جعنا من الماء كل شيء حي أفلا تؤمنون ، و جعلنا الأرض رواسي أن تميد بهم و جعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون و جعلنا السماء سقفا محفوظا و هم عن آياتهم معرضون ، وهو الذي خلق الليل و النهار و الشمس و القمر كل في فلك يسبحون ) "
الغريب في الأمر أن الشيخ الجليل استدل على خطأ القول بدوران الأرض حول الشمس من خلال تفسيرات كل من إبن جرير ، و البغوي ، و ابن كثير و القرطبي ، متناسيا أن هؤلاء السلف كانت خبراتهم اقل بكثير مما وصل إليه العلم اليوم ، فإبن كثير مثلا ولد عام 700 هجريا اي عام 1300 ميلاديا ، اي قبل مولد الفلكي البولندي كوبرنيكوس بمائة عام الذي ولد عام 1473 ، و تلميذه جاليليو الذي ولد عام 1564 ، لكن من الغريب أن هناك عالم مسلم عرف باسم أبن الشاطر و اسمه الحقيقي ابو الحسن علاء الدين بن علي بن إبراهيم بن محمد بن المطعم الأنصاري ولد عام 1304 ميلاديا و هو عالم فلك و رياضيات مسلم من دمشق ، هذا العالم العربي المسلم توصل إلى حقائق علمية قبل أن يصل إليها علماء هذا القرن العشرين فيقول عنه عالم الرياضيات البريطاني جورج سارتون: "إن ابن الشاطر عالم فائق في ذكائه ، فقد درس حركة الأجرام السماوية بكل دقة ، و أثبت أن زاوية انحراف دائرة البروج تساوي 23 درجة و31 دقيقة سنة 1365 علماً بأن القيمة المضبوطة التي توصل إليها علماء القرن العشرين بواسطة الآلات الحاسبة هي 23 درجة و31 دقيقة و 19,8 ثانية" ، هذا العالم المسلم الذي وقف أمامه علماء العالم في القرن العشرين تكلم قبل كوبرنيكوس و جاليليو عن دوران الأرض حول الشمس و عن حركة الأجرام السماوية بإثباتات عملية و بحثية و مخطوطات هذا العالم و كتبه تدرس حتى اليوم في جامعات أوروبا بينما نحن مازلنا نعيش في غياهب التيه ...
انا هنا لا أهاجم ابن كثير أو إبن باز و لكني أحاول أن اوضح المنهج العقلي الذي أتبعه الدكتور نصر حامد أبو زيد ... فليس كل ما جاء في كتب السلف واجب النقل و التنفيذ ، فهناك اشياء كثيرة قد نفسرها في زمن ما بشكل و لكن عندما تمر السنين و تزداد معارفنا نكتشف خطا فهمنا و لهنا علينا أن نعيد القراءة مرة ثانية و نعيد الفهم لنتواكب مع العصر …
رحم الله دكتور نصر حامد أبو زيد و لكن عزائنا أن كلماته و كتبه ستبقى في عقول تلاميذه و سيبقى فكره ابد الدهر منارا ينير الطريق من ظلام الجهل