24 ديسمبر، 2012

مملكة الإبداع ( 1 )

إن مفتاح نجاح الإنسان هو قدرته على الإبداع و إيجاد الحلول للمشكلات التي يمكن أن يقع فيها ، سواء في حياته العادية أو في عمله ، لا يقتصر ذلك فقط على اعمال بعينها بل في جميع المجالات ، و اليوم مع التغيرات السريعة التي يشهدها العالم اصبحت القدرات الإبداعية هو الفيصل أو الفارق بين شخص و آخر.

لذلك أهتم الكثير من علماء الاجتماع في الفترة الأخيرة بعمليات الإبداع ، كذلك التغيرات العنيفة التي يعيشها العالم يجب علينا اللجوء إلى العقل و الابتكار للصمود أمام تلك التحديات ، فالإبداع يقود إلى التجديد، و التجديد يجعلنا نتقدم على غيرنا ، فالمجتمعات حاليا يتم تقسيمها إلى قسمين قسم متقدم متطور يطلق عليه المبدعون ، وقسم ارتضى بما هو فيه من تخلف و يعيش على ما يقدمه له المجتمع المتطور هم ما يطلق عليهم المقلدون ، و التغيرات و التحديات الأخيرة أصبحت اليــوم تجبرنا على الاختيار ما بين أن نبقى تابعين خانعين ، او نصبح مبدعين مطورين.

و لكن السؤال الذي يطرح نفسه دائما ما هو الإبداع ؟ ؛ هناك أكثر من تعريف للإبداع و لكني سأختار تعريفين أميل أليهم الأول " الإبداع هو عمل ذهني يقوم به الفرد باستخدام قدراته للوصول إلى أفكار جديدة أو استعمالات غير مألوفة أو تفصيل خبرات محدودة إلى ملامح مفصلة " ، أما التعريف الثاني فهو " الإبداع هو القدرة على التعامل بطريقة مريحة مع المواقف الغامضة أو غير المحددة و إيجاد مداخل جديدة و تجريب أساليب و تطبيقات جديدة تماما ً "

أما مجمع اللغة العربية فجاء تعريفه كالتالي أن "الإبداع نزعة في جميع فروع الفن تعرف بالعودة إلى الطبيعة و إيثار الحس و العاطفة على العقل و المنطق ، و تتميز بالخروج على القدماء باستحداث أساليب جديدة"

و من هنا نستطيع أن نرى جوهر العملية الإبداعية تعتمد على التجديد في العملية الذهنية الفكرية للإنسان ، و أما في اللغة فقد عرف الإبداع بأنه إحداث شئ جديد على غير مثال سابق ، لهذا فإن الإنتاج الذي يتصف بالإبداع تتوفر في صيغته النهائية صفات الجدة و الطرافة و إن كانت عناصره الأولية موجودة من قبل.

الإبداع لا يقف عند المنتج الأدبي و الفني فقط ، و لكنه في كافة مواقف الحياة المختلفة مثل المخترعات و الاكتشافات ، لذا فقد قسم العلماء العلمية الإبداعية إلى قسمين القسم الأول هو القدرة Ability ، القسم الثاني هو العملية Process و المقصود بها العملية السيكولوجية التي يتم بها خلق و ابتكار الشيء الجديد ذي القيمة العالية ، و يرى فريق ثالث أن الإبداع ينشأ عن القدرة الإبداعية و عن العملية الإبداعية التي تؤدي في آخر الأمر إلى إنجاز العمل الإبداعي بحقيقته.

و يرى الباحث الاجتماعي دونالد ماكينون D. Mackinnon أنه لا يمكن تحديد مفهوم الإبداع إلا إذا أحطنا إحاطة شاملة في الجوانب أو المظاهر المتداخلة المكونة للإبداع ، و هذه المكونات هي :

1. الإنتاج الإبداعي Creative Products : هو أحد جوانب تفاعل الإنسان مع البيئة و يقاس الإبداع في أحد جوانبه بكمية الإنتاج و صوره , فالإنتاج الإبداعي محك أو مقياس للإبداع ، و فرق دونالد تيلر ( D.W. Taylor ) بين التفكير الإبداعي وحل المشكلات و اتخاذ القرار بناء على الإنتاج :

فحل المشكلات هو ذلك النوع من التفكير الذي ينتج عنه حل للمشكلات ، و اتخاذ القرار هو ذلك النوع من التفكير الذي ينتج عنه اختيار بين أساليب بديلة للفعل ، أما التفكير الإبداعي هو ذلك النوع من التفكير الذي ينتج عنه أفكار جديدة ذات قيمة ، و يقول تورانس Torrance أن الطفل أكثر إبداعا من الراشد ، و أكثر سنوات الطفل إبداعا هي سنوات ما قبل المدرسة و السنوات الثلاث الأولى من المدرسة ، و تبدأ هذه القدرات بالتناقص بسبب زيادة المتطلبات المدرسية.

2. العملية الإبداعية Creative Process : عملية معرفية ذهنية ، حيث يكون الفرد في هذه العملية نشطا منظما للخبرات لكي يستجيب للموقف الجديد .

3. الشخص المبدع Creative Person : تعددت النظرة للشخص المبدع بسبب تعدد زوايا النظر ، فبعضهم يركز على الجوانب الأدائية و آخرين على الجوانب الذهنية ، و الشخص المبدع يجب أن يتميز بخصائص عقلية معرفية و خصائص شخصية انفعالية ، وسنأتي إلى ذكرها لاحقا .

4. الموقف الإبداعي Creative Situation : إن تكرار المواقف الإبداعية و تعددها يسهم بإطلاق صفة المبدع على الفرد. وأيضا ً الفرد يكون مبدعا ً في موقف ، و يظهر سلوكا عادياً في مواقف أخرى ، فالإبداع يرتبط بالموقف الذي تفاعل معه الفرد و يظهر حلاً غير مألوفاً.

اليوم و مع التحول للاقتصاد الحر و فرضه سياسيا على المجتمعات النامية كنموذج ناجح للتنمية و التقدم ، تحول الإبداع إلى صناعة ، لذا وجب تنظيمها لتناسب الشكل الرأسمالي الذي اتخذته ، فالمبدع تحول سلعة أو جزء من العملية الصناعية للمنتج مثله مثل آلة نسخ شرائط الكاسيت ، و قد أوضح ذلك جون هارتلي مؤلف كتاب "الصناعات الإبداعية" بأهمية الصناعات الإبداعية او تحول الإبداع إلى صناعة ، و استشهد بذلك بأنه في عام 2001 قدر صافي عائدات حقوق النشر دخل الولايات المتحدة الأمريكية فقـط 719,2 بليـون دولار ، و ان عدد العاملين في هذا المجال يصل إلى 8 مليــون عامل ، و يبلغ أسهام الصناعات الإبداعية في صادرات الولايات المتحدة بـ 88,97 بليون دولار ، و هذا يفوق صناعات أخرى كثيرة مثل الطائرات و الصناعات الكيماوية و السيارات و غيرهم من الصناعات.

هذا أدى إلى تواجد طبقة جديدة هي ناتج تلك التحولات من الفنانين و العلماء ، فهم اللذين يحددون ساعات العمل كذلك لا يمكن إجبارهم على العمل فهم المتحكمون في ذلك ، أي أنهم تحولوا من الياقات الزرقاء إلى الياقات البيضاء إلى عمل بلا ياقات ، مما أدى إلى تواجد أشكال جديدة من الإدارة الذاتية للعمل ، هذا بالطبع أدى إلى تغيير كامل في العملية التعليمية و اساليبها ، لتزداد الحاجة إلى تواجد آليات جديدة للتعليم الذاتي ، مما أستوجب تطوير المعلمين القائمين على توصيل المعلومة العلمية لتتواكب مع التغيرات الجديدة.

اليـوم ظهر تعبير جديد ربما يكون غريبا على البعض و هو "صناعة الإبداع" ، فالإبداع بحد ذاته أصبح صناعة لها مدخلاتها و مخرجاتها ، مما أدى إلى ظهور دراسات عديدة لرصد الظاهرة الإبداعية للإنسان ، فالإبداع هنا تحول من ظاهرة فردية ذاتية إلى صناعة لها مدخلاتها و مخرجاتها ، و اصبح المبدع جزء من هذه الصناعة ، و يظهر هذا بوضوح في عاصمة السينما في العالم "هوليوود" ، فشركات الإنتاج السينمائي أصبحت اليوم مجتمعات متكاملة لا تقتصر على مبدع يكتب السيناريو أو قصة الفيلم ليقدمه إلى المخرج ليحول الكلام المكتوب إلى صورة متحركة و يقود عمل الممثلين ، بل دخلت الصناعات الإليكترونية بقوة في العمل السينمائي و مثال على ذلك ما شاهدناه أخيرا في فيلم Avatar الذي كان خليطا مميزا بين الإبداع الفردي الإنساني و الإبداع الإليكتروني ، فلم يصبح إبداع الفنان وحده هو المهم بل أصبحت هناك مدخلات أخرى تتكامل و تندمج معه ، فلولا المساعدات التكنولوجيا ما شاهدنا هذا الفيلم الذي حقق أعلى الإيرادات خلال الفترة الأخيرة ، هذا المثال هو تجسيد حقيقي لما يطلق عليه الـ Mass Productions ، لتتحول فيه العملية الإبداعية إلى عملية صناعية تدخل من ضمنها العملية الإبداعية كأحد المدخلات الخاصة بالمنتج النهائي.

تحول كبير في مفهوم الإبداع ، الذي اسفر عن ظهور علم "الاقتصاد الإبداعي" ، فيقول جون هارتلي أستاذ و عميد كلية الصناعات الإبداعية بجامعة كوينزلاند ، و جون هوكنز مؤلف كتاب "الاقتصاد الإبداعي" ، أن قطاع الصناعات الإبداعية يرتبط الآن بجوانب أوسع من الإبداع الإنساني ، و كيف يعزز الخيال الإنساني و الابتكار و الخبرة و العمل الإبداعي و الاستهلاك الصناعات الإبداعية ، هذا يؤكد ما ذكرناه من قبل ، و يقول هوكنز أيضا أن من مفاجآت التحولات التي تجري في السوق و المجتمعات أن شركات و مؤسسات استثمارية حققت عوائد و مبيعات كبيرة لمنتجات هي في الأساس ضمن مجالات الحريات و مناهضة العولمة و مناهضة العنصرية ، أي تحويل المقاومة و النضال إلى سلعة استهلاكية ، أنها قوانين السوق التي أصبحت اليوم تتحكم بنا ، فهل يعلم الكثيرين أن أكبر المستفيدين من إبداع مستخدمي الإنترنيت خصوصا المدونين هي شركات استضافة تلك المدونات فشركة Google حققت عائدات زادت على المليار دولار من عوائد إعلانات المدونات ، و التي تعتمد في الأساس على إبداع المستخدمين و الذين يشكلون أكثر المناهضين لقواعد العولمة الجديدة و سيطرة الشركات و المؤسسات العابرة للقوميات.

من هنا تغير مفهوم الإبداع ليدخل ضمن منظومة العولمة الجديدة ، و يقدر جون هوكينز أنه في عام 1999 وصل إجمالي الاقتصاد الإبداعي بـ 2,2 تريليون دولار ، و يوضح تقرير التنافسية العالمية (2000/2001) للمنتدى الاقتصادي العالمي وجود ارتباط واضح بين كثافة التصميم في أنشطة المشروع و تطور المنتج ، و التنافس الاقتصادي العريض.

يشير بحث لبرايس هاوس كوبرز استاذ الاقتصاد بجامعة هارفرد إلى أن أعلى المشروعات أداء ترى في التصميم أصلا إستراتيجيا ، بينما تتراجع أهميته في المشروعات الأقل نجاحا ، و اعطى هنا مثالا في منتجات شركة نوكيا لأجهزة الاتصالات كنموذج يمكن دراسته للنجاح والإبداع ، فهذه الشركة الفنلندية استطاعت التحول إلى لاعب كبير و مؤثر في الأسواق العالمية بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان وغرب أوروبا ، فنوكيا أول شركة هواتف أدركت ضرورة الانتقال بالهاتف النقال من كونه جهاز اتصال إلى جهاز يناسب الحياة اليومية وأسلوب الحياة ، و تحولت نوكيا إلى دار لتصميم الاتصال النقال لا مجرد موزع تجزئة للأجهزة اللاسلكية.

هناك مثال آخر في غاية الأهمية و لكنه مثال مناهض للمثال السابق ، فهو خارج نطاق المنافسة التجارية وهو نظام التشغيل Linux المنافس الأكثر خطورة على نظام التشغيل المعروف MS Windows ، فنظام التشغيل الجديد يعتمد على ما يسمى ببرمجيات المصدر المفتوح أو أحيانا يطلق عليها البرامج الحرة ، و يعمل على تطوير نظام التشغيل هذا أكثر من 100 ألف مبرمج من كل أنحاء العالم لإتاحة هذا البرنامج مجانا لكل مستخدمي الكمبيوتر بدون الدخول في تعقيدات البرامج التجارية و حقوق الملكية الفكرية فبرمجيات العالم الحر تتيح للمستخدم ان يطور برنامجه كما يريد بدون أن يكون له حق الرجوع لصاحب البرنامج فهذا كله يكون تحت ما يسمي GNU Operating System وسوف أخصص فصل كامل فهذا الخصوص فهو تعدى البرمجيات و دخلت فيه الفنون ايضا مثل الموسيقى و حتى الأعمال السينمائية بأشكال مختلفة.