13 مايو، 2011

الدولة المدنية يا ترى هي كفر !

طبعا الفترة اللي فاتت خناقات على شاشات التلفزيون ، و مشايخ عماليين يصرخوا في الميكروفونات ، كلهم بيتكلموا على الدولة المدنية ، و الدولة ذات المرجعية الدينية ، لدرجة أن الموضوع تحول لحرب شرسة بين الاتجاهين ، لكن الأهـم أيه اللي ممكن يحصل لو بقت الدولة كما هي مدنية بس ارسيت فيها قواعد العدالة و الديمقراطية ، و ايه اللي هيحصل لو تحولت الدولة لدينية أو لدولة ذات مرجعية دينية ، هحاول أوضح الفارق بكل مصداقية من غير رتوش من خلال ما ذكره علماء السياسة و الدين و الفلسفة و الاجتماع لكن الأهم من خلال التطبيق العملي ...

في البداية أيه هي الدولة ذات المرجعية الدينية ( الدولة الدينية )

موضوع ان الدولة يكون ليها مرجعية دينية ما يختلفش كثير عن أنها هتتحول تدريجيا إلى دولة دينية ، طائفية مذهبية ، و ده هيحولنا لدولة عنصرية ، و ده مش كلامي و لا كلام الفلاسفة أو العلماء لكن ده موجود من خلال واقع كلنا شايفينه عندنا ثلاث نماذج مهمة في موجودة في الوقت الحاضر هي السودان ، إيران ، غزة ، لكن ايه اللي حصل في كل واحدة منهم على حدة

التجربة السودانية

السودان حصل فيها ثورة شعبية في سنة 1985 و كان مشارك فيها كل الأطياف السياسية الموجودة في السودان زي اللي حصل في مصر تقريبا ، و قدرت الثورة الشعبية دي أنها تطيح بحكم جعفر نميري ، و أجتمع الأحزاب و قرروا فترة انتقالية مدتها سنة و بعدها يتم الدعوة لانتخابات برلمانية و كتابة دستور جديد للبلاد ، برده زي اللي بيحصل عندنا هنا ، لكن خلال السنة دي بدأت القوى الدينية تتحرك بقوة في الشارع السوداني ساعدهم على ده تواطىء المشير سوار الذهب معاهم اللي كان متعاطف مع التيارات الدينية ، و فعلا تم الدعوة لانتخابات برلمانية لوضع دستور للبلاد و سيطر على البرلمان التيار الديني بقيادة حسن الترابي عليه ، و كان دايما بيقف حجر عثرة قدام أي خطوة نحو الديمقراطية الحقيقية أو للإصلاح بدعوى أنها ضد الدين و دخل في صراعات قوية ضد السيد احمد المرغني رئيس الدولة ( رئيس حزب الاتحادي الديمقراطي ) في الفترة دي اللي تولى الحكم بعد سوار الذهب ، و فعلا ما ستمرش الوضع كثير و في سنة 1989 حصل انقلاب عسكري و تولى عمر البشير رئاسة الدولة و تحولت السودان بعدها لدولة دينية تحكم باسم الدين ، و طبعا كالعادة حصل خلاف بين التيارات الدينية تيار بقيادة رئيس الدولة عمر البشير و تيار بقيادة حسن الترابي ، اللي كان السبب في زيادة حدة حرب الجنوب بعد أصراراه على تطبيق الشريعة من غير ما يأخذ في اعتباره الاختلافات الدينية و المذهبية في السودان و للأسف الشديد بسبب الحكم الديني حصل تجاوزات سواء في الحرب أو حتى في حياة الناس العادية إلى درجة التدخل في اللي أقصى درجات خصوصية الحياة المعيشية للإفراد ، و عنصرية في تولي المناصب في الدولة و حتى في الوظائف العادية ، و كان لازم في النهاية تحصل أزمة جديدة و تم التوصل لاتفاقية نيفاشا بعد ما وصلت حرب الجنوب لأقصى مدى ليها ، و خف شوية التقييد الديني في الدولة بعد الاتفاقية ، لكن فضل موضوع التفرقة بين الناس على اساس الدين و العرق في تولي المناصب و الوظائف في الدولة بل وصل ده للشركات ، خلال الفترة دي حصل ممارسات في غاية البشاعة بأسم الدين ، و صلت لحد المجازر و تحرك المجتمع الدولي و تم استصدار أمر دولي بالقبض على الرئيس السوداني و محاكمته على خلفية المجازر اللي حصلت في غرب السودان و في الجنوب بما أنه رئيس الدولة و القائد العام للجيش

طبعا ده غير الممارسات التعسفية باسم الدين و في منها أمثلة كثير قوي ، و يمكنأوضح مثال للموضع ده اللي حصل مع الزميلة الصحفية السودانية لبنى حسين اللي تم اتهامها بأغرب تهمة في التاريخ أنها لبست بنطلون ، و كنت كتبت عنها تدوينة أيام المشكلة ، ده مثال صغير للي ممكن يحصل

التجربة الايرانية

نيجي بقى للتجربة الإيرانية ، اللي قرى تاريخ الثورة الايرانية و يمكن أهم الكتب اللي أتكلمت عن الثورة هما كتابين الأول لاستاذ محمد حسنين هيكل و اسمه مدافع آيات الله ، و الكتاب الثاني الثورة البائسة للدكتور موسى الموسوي ، لكن هنكتشف أن الثورة الإيرانية في البداية ما كنتش ثورة دينية أو بتدعوا لحكم آيات الله أو الحكم باسم الشريعة و الدين ، لكنها كانت ثورة ضد الاستبداد و القهر و الظلم.

لكن أزاي بدأت الثورة الايرانية ، الشرارة بدأت في يونيو 1977 لما شاه ايران قرر التخلص من أكواخ الفقراء بحجة أنها بتشوه مظهر العاصمة ، خصوصا أن ايران في الفترة دي كانت بتعيش في حالة استقرار اقتصادي و في نوع من الرفاهية شوية ، لكن في نفس الوقت كان الازدهار الاقتصادي غير موجه للشعب كان أغلبه بيصب لصالح الطبقة البرجوازية الكبرى و أصحاب رؤوس الاموال ، و قاد الانتفاضة الشعبية دي التيارات اليسارية و التقدمية لغاية ديسمبر من نفس السنة ، و بدأ يدخل على الخط رجال الدين ، و أتشكل في الخارج تكتلات للمعارضين خصوصا في فرنسا و انضم ليهم اية الله الخميني اللي كان في الوقت ده منفي في العراق ، و بدأ حملته من خلال شرائط كاسيت كانت بتتوزع بين الناس علشان تسمعها و قدر الخميني من خلال توجهه الديني البسيط جدا في البداية ، و كان بيقود الحركة على ارض الشارع التيار التقدمي ، و نجح التيار ده أنه يقود مجموعة من الاضطرابات العمالية اللي قدرت تعمل نوع من الشلل للاقتصاد الايراني ، و فعلا في 19 يناير 1979 خرج شاه إيران من البلاد و جه مصر ، و في شهر فبراير رجع الخميني و معاه مجموعة من قادة الثورة اللي كانوا منفيين في الخارج بعد ما سافر لفرنسا في أواخر سنة 78.

لكن إزاي حصل التغيير !

الخميني طبعا المسألة ما جتش مرة واحدة لكن حصل صراع تكسير عظم بين التيار اليساري و التقدمي من ناحية ، و التيار الديني من ناحية تانية ، و كان الخميني كون حزب سماه الجمهورية الاسلامية ، و استغل الخميني الطبقة الفقيرة و المهمشة من الحياة السياسية في ايران و بدأ يوجه خطابه ليها ، لكن برده ما قدرش يجتذب عدد كبير منهم ، فاللجان العمالية في المصانع و الحركة الطلابية في الجامعات كان مسيطر عليها بشكل كبير التيار اليساري ، و ما بقاش قدام الخميني في الوقت ده لوقف المد الثوري اللي تعاظم بشكل كبير في في الفترة ما بين 1980 /1982 ، و وصل عدد الحركات العمالية و الاضطرابات إلى أن الحالة الاقتصادية تراجعت بشكل كبير ، فتوجه الخميني للطبقة المتوسطة و البرجوازية الصغيرة اللي كانت بتضم اسلاميين معتدلين و ليبراليين اللي كان بيمثلهم رئيس الوزراء وقتها مهدجي بزرجان ، و فعلا بدأ الخميني يحقق نجاحات ملموسة ، ساعده على ده عملية اقتحام السفارة الامريكية و احتجاز الرهائن بها من خلال الخلايا الشبابية اللي سماها حزب الله ، و فشل أمريكا في عملية تخليصهم ، و قدر الخميني أنه يكتسب شعبية طاغية من خلال العملية دي ، و قدر أنه يكسب الانتخابات البرلمانية و يسيطر على البرلمان خصوصا أنه قدر يكسب بعد علمية السفارة الامريكية شريحة كبيرة من الفقراء المهمشين خصوصا أن أغلب الشباب اللي قام بعملية الرهائن كانوا منهم و بدأت عمليات إقصاء لكل التيارات السياسية المخالفة له ، و قدر يسيطر على الجيش و يتم تسيسه و شن حملات تغيير في التركيبة الاجتماعية لإيران فتم الاستغناء عن كل المسئولين الغير موالين له في الوزارات و الشركات بمسئولين خاضعين له ، و سيطر على أجهزة الاعلام ، ساعده على ده أن عدد كبير من الموالين للشاه و الاجانب العاملين في ايران في الفترة دي هربوا بعد خروج الشاه فتركوا فراغ كبير في الوظائف القيادية و الوسيطة ...

الثورة الايرانية و من هنا بدأت سيطرة الخميني و التيار الاسلامي الراديكالي على الحكم في ايران و بدأت بعدها عمليات قمع وحشية و أطلق الخميني شباب حزب الله في الشوارع و الجامعات لقمع الغير مؤيدين لهم ، فكانوا يعتدون على النساء الغير محجبات في الشوارع بدعوى انهم خارجات على الدين ، و ضرب التيارات اليسارية بدعوى انهم شيوعيين كفار و هكذا حتى تخلص تقريبا من أغلب خصومه حتى على المستوى الشعبي ...

لكن اللي بيحصل حاليا في أيران بدعوات ضد سيطرة التيار الاسلامي على الحكم و الثورة الشعبية اللي قامت من سنتين على حكم الملالي و تناميها بشكل كبير بيثبت فشل المنظومة الدينية اللي حاول الخميني يجذرها في المجتمع الايراني و النهاردة ظهرت دعوات واضحة لحكم مدني بعيد عن الصبغة الدينية الموصوم بيها الشعب الايراني

معلش طولت شوية و المرة الجاية هتكلم عن اللي حصل في غزة و الحياة هناك شكلها أيه ... سلام و نتقابل المرة الجاية