12 مارس، 2011

عالم الجاز... عالم بلا طبقات

الطفولة و التلقائية ، الحزن و الألم ، الغربة و المهانة... هذه هي أسس موسيقى الجاز فقد ولدت على يد الأفارقة السود اللذين تم استجلابهم كعبيد للعمل في مزارع القطن الأمريكية في أوائل القرن التاسع عشر بدأت كنوع من البكائيات المغناة ، إلا أنها و مع اختلاف ثقافات الأشخاص التي بدؤوا في غنائها منهم من غرب القارة و آخرين من وسط القارة بالإضافة إلى احتكاكهم بثقافات الرجل الأبيض الغربي بدأت هذه الموسيقى تتطور خاصة بعد إلغاء نظم العبودية في منتصف القرن التاسع عشر على يد أبراهام لينكولن و بدأ السود في ارتياد أماكن لم يكن مصرحا لهم فيها بالدخول فعرفوا أماكن عرض الموسيقى و بدأت محاولات لعمل مسارح خاصة بالفنون السوداء و بالفعل نجح بعضهم في مدينة نيو أورليانز في افتتاح أول ملهى مخصص لموسيقى السود في أمريكا و بدأ معها الاحتكاك الفعلي مع ثقافة الرجل الأبيض وبدأت المقارنة بين الموسيقى البيضاء المنظمة ذات القواعد الثابتة و الموسيقى الأفريقية ذات الإحساس الفطري و الأدوات الموسيقية البدائية ليبدأ عددا من الموسيقيين السود في تطوير موسيقاهم و إدخال الآلات الموسيقية الحديثة عليها إلا أنهم حافظوا على الروح الأساسية لهذه الموسيقى من تلقائية في العزف و الاعتماد على إحساس العازف و حالته الشعورية وقت العزف.

بدأت في أوائل القرن العشرين تلمع أسماء كثيرة من الموسيقيين السود في أمريكا و بدأت تنتشر موسيقى الجاز تنتشر وأصبحت مطلوبة في كثير من الحانات و الملاهي خاصة على الساحل الغربي في أمريكا حيث هوليوود و بدأنا نتعرف على بعض من هؤلاء و من اشهرهم لويس أرمسترونج و أوليفر كلايفلاند و العديد من الموسيقيين اللذين حملوا على عاتقهم نشر موسيقى الجاز في العالم أجمع و إن كان أرمسترونج هو الأكثر شهرة بين كل هؤلاء فحتى هذه اللحظة ألبومات لويس أرمسترونج تباع و تحقق إيرادات عالية.

موسيقى الجاز في بدايتها لم تكن مدونة بسبب أن أكثر عازفيها كانوا فطرين بل كان العديد منهم لا يعرف القراء و الكتابة فكان من الصعب عليهم تعلم التدوين الموسيقي لذا ضاعت ألحان كثيرة نتيجة عدم التدوين في حينها و عدم اهتمام مؤلفيها بالحفاظ عليها بسبب عدم وجود وسائل التسجيل التي نعرفها اليوم.

DancingtoJazzPrintC في العشرينات من القرن العشرين بدأت موسيقى الجاز تسيطر على الأجواء الموسيقية في أمريكا و بدأت تنتشر في أفلام السينما الأمريكية إلا أن أغلبها لم ينل شهرة عالية بسبب إن مؤلفي هذه الألحان كانوا من البيض لتفتقد الموسيقى أهم سماتها و هي أنها نابعة من الروح الداخلية للإنسان الأسمر المطحون في أمريكا لتصبح فقط مجرد إيقاعات فارغة من الروح.

أخرجت موسيقى الجاز العديد من الألوان الموسيقية بعد ذلك خاصة بعد أن فشل العديد من الموسيقيين البيض في تقليد أو في عزف موسيقى الجاز فبدأت تظهر أنواع أخرى مثل موسيقى الشارل ستون و الكلاكيت ثم أعقبها التشاتشا ثم الروك الذي أكتسح العالم من نهاية الخمسينات إلى يومنا هذا ...

في فترة الستينات و مع تنامي الفكر الأيدلوجي وجد الجاز ضالته في العودة مرة أخرى على سطح عالم الفن فالأفكار الاشتراكية و اليسارية و طبيعة موسيقى الجاز النابعة من الإحساس بالظلم في زمن الرقيق كانت تقود مسيرة مناهضي الحياة الرأسمالية في أمريكا حتى أن العديد من عازفي و مغني موسيقى الجاز كتبوا العديد من الأغاني عن ماركس ، جيفارا ، وكاسترو ، كذلك كانت الأغاني التي هزت أمريكا كلها عندما ناهض العديد من الشباب الحرب الفيتنامية من موسيقى الجاز و ضعها موسيقيين زنوج رفضوا الانخراط في الجيش الأمريكي.

موسيقى الجاز اليوم

للأسف الشديد ابتعدت موسيقى الجاز عن أصولها الفطرية وأصبحت اليوم مدونة بالكامل لتفقد بذلك التواصل الروحي بين العازف و حالته المزاجية و الجمهور لتفقد بالتالي أهم سماتها و هي أنها نابعة من القلب مباشرة فهي كما تحدث عنها أحد المؤرخين الموسيقيين أنها تنبع من القلب لتصل إلى القلب مباشرة بلا حاجز بين العازف و المستمع لأنها لا تخرج من أصابعه بل هي ناتجة عن إحساسه بالحياة.

الارتجال في موسيقى الجاز جزء أساسي من كينونتها و إذا فقد الارتجال فقدت بالتالي قلبها و إن كانت هناك محاولات لعودة الروح لموسيقى الجاز إلا أن تأثيرات العولمة عليها شديدة و قاسية لتطغى موسيقى البوب و التكنو و الميتال على أحد أرقى أنواع الموسيقى و هي موسيقى القلوب أو الجاز.

كلما جلست لأستمع لهذه الموسيقى التي عشقتها عشقا ، أشعر بدموعي تتحسس وجنتي ، و في نفس الوقت تزداد دقات قلبي سعادة بهذه النغمات التي لم أجد لها مثيل من العفوية و الصراحة و التعبيرية ، أنها ”البلوز“ ، فكلمة بلوز في اللغة الانجليزية تعني الحزن أو الشجن و هي بالفعل موسيقى تاخذك إلى عالم مملوء بالشجن و الجمال في نفس الوقت ، أعود بكم إلى البداية عن عالم الجاز ، ذكرت من قبل أن موسيقى الجاز بدأت مع الأفارقة اللذين تم استجلابهم للعمل كعبيد في مزارع القطن الأمريكية في أوائل العقدين السابع و الثامن من القرن العشرين ، و كان الغناء هو سلوتهم الوحيدة التي تذكرهم دائما بالأرض الأم في القارة السوداء ، ولكن لم يكن ما يقولونه هؤلاء غناء كما هو متعارف عليه ولكه كان بكائيات - لا أعرف لماذا ، وأنا أكتب هذه السطور تذكرت رائعة الأبنودي ”جوابات حراجي القط“ - فدقات جذوع الأشجار المختلط بصوت العجائز و هن يطلقن أغنياتهن تحت الأشجار في ظلمة الليل بعـد عناء يوم طويل مرهق من العمل و المذلة ، كانت التسلية الوحيدة لهؤلاء البؤساء و من هنا جاءت موسيقى البلوز و التي منها خرجت موسيقى الجاز ...

كانت أغاني هؤلاء العجائز بسيطة في تركيباتها ، إلا إنها نابعة من حياة هؤلاء المتعوسيين ، ووضعوا بدون أن يشعروا أحد أهم مبادئ الكتابة لأغاني البلوز ، و هي الحقيقة و الصدق فأغاني البلوز عادة تتحدث عن مواقف حقيقية و تفجر العديد من القضايا ، ففي الستينات في القوت الذي كان يقف فيه مارتن لوثر كينج يتحدث عن حقوق السود في أمريكا و التفرقة العنصرية ظهرت معها في نفس الوقت أغاني تتحدث عن مساوئ العنصرية في المجتمع الأمريكي قادها مغنيين للجاز و البلوز.