17 فبراير، 2011

صامويل بيكيت وعبثية القدر والانتظار

"مقال قديم لي وجدته على أرشيف الانترنيت نشر بمجلة جسور الثقافية مايو 2006 بمناسبة حصول الكاتب الأيرلندي صامويل بيكيت على جائزة نوبل للأدب و مرور 100 عام على ميلاده"

صامويل بيكيت

في الشهر الماضي احتفل العالم بمرور 100 عام على ميلاد واحد من أعظم كتاب المسرح في القرن العشرين وأكثرهم جدلا، وأطلق على الاحتفالية عنوان ”بيكيت بلا حدود". إنه الايرلندي صامويل بيكيت (1906 ـ 1989)، حيث يرى العديد من نقاد المسرح أن أعمال بيكيت تجاوزت كل الحدود الراسخة في وجدان الفكر البشري. وفي العام الماضي كرم العالم أجمع الكاتب الإنجليزي هارولد بنتر بحصوله على جائزة نوبل للآداب، وإن سبقه بيكيت في الحصول على الجائزة نفسها عام 1969، ليتكون مثلث عبثي عال الجودة تحتويه الجائزة بيكيت ، يونسكو، وأخيرا بنتر.

لمحة تاريخية

عندما كتب الفريد جاري ثلاث مسرحيات تدور حول شخصية واحدة تدعى أوبو، هوجمت من قبل العديد من النقاد في ذلك الوقت، رغم ذلك فقد حقق شهرة عالمية إذ أن هذه المسرحيات الثلاثة وكذلك أسلوب حياة جاري وفلسفته المتفردة قد أحدثت ثورة واسعة الأبعاد في المسرح الغربي، حتى أن أحد المؤرخين للمسرح الغربي المعاصر كتب يقول: ” عندما نطق الممثل فريمن جمييه أول كلمة في مسرحية جاري الأولى الملك أوبوتغير مسار المسرح الغربي تماما ( أ. ب. هنشكليف – العبث – 1969) “، لقد كانت هذه المسرحية في رأي هنشكليف البداية الحقيقية لمدرسة العبث التي ازدهرت في الخمسينات(1).

استطاع جاري من مسرحياته الثلاثة (أوبوملكا – أوبوزوجا مخدوعا – أوبوعبدا) أن يضع أولى خطوات مسرح العبث من خلال سخريته اللاذعة للأنماط الفلسفية السابقة، فلم يكن جاري يؤمن بالفلسفات المتوارثة التي تفسر ما وراء الطبيعة كان يرى العالم كما مجهولا من الظواهر المتعارضة التي تفتقد إلى المنطق، لذلك ابتدع فلسفته الخاصة التي أسماها الباتافيزيقية، ساخرا من كل الفلسفات الميتافيزيقية، فجاء وصفه لفلسفته قائلا في مقدمته لمسرحيته الأولى: ” العلم الذي يشرح منطقة ما بعد الميتافيزيقية، إنها الحلول المتصورة أو الخيالية، ومن خلالها نصل إلى مستوى آخر من مستويات الوجود ونحقق وعيا لا يمكن تحقيقه وبها نصل إلى القوانين التي تحكم العوارض والاستثناءات في الكون بحيث نكتشف العالم الذي يكمل عالمنا التقليدي، إن القوانين التي تحكم العالم ما هي إلا استثناءات متكررة أو حقائق عارضة ليست لها حتى ميزة التفرد، إننا في الواقع يمكن أن نعتبرها استثناءات استثنائية .. “

الوجودية ومسرح العبث

تأثر مسرح العبث بشدة بالفلسفة الوجودية حيث الإغراق التشاؤمي واغتراب الإنسان، والإيمان المطلق بالوجود الإنساني المفرد، ذلك بعد الثورة على الحكم الكنسي الذي سيطر على أوروبا في القرون الوسطى وتأثير الحرب العالمية الثانية على المجتمع الأوروبي، هذا وبالرغم من التأثر الواضح بالفكر الوجودي لكتاب مسرح العبث ومنهم كاتبنا اليوم صامويل بيكيت إلا أننا نرى تقاربا مع المسرح الإغريقي في رؤيته للمطلق أو القدر، فالمطلق في المسرح الإغريقي يفرض نفسه على الأحداث حضورا، إلا انه في مسرح العبث فهو المفروض غيبا كما في مسرحية بيكيت ” في انتظار جودو“، فجودو هنا هو المطلق الذي ينتظره بطلا العمل المسرحي، كما نجد تقارب في شاعرية مسرح العبث وإن كتب نثرا، فهو مسرح يعتمد على الاستعارة الشعرية التي توحد بين مستويات التجربة وعناصرها المتباينة في رؤية شاملة تبلور القانون العام الذي يحكم الأشياء في كليتها، فالمهيمن العام في المسرح الإغريقي هو القدر، فأصبح في مسرح العبث هو غياب القدر أو”جودو“ أو” المطلق “. آمن بنتر بمطلق آخر هو النظام الاجتماعي الذي يستعبد الفرد، فرؤية بنتر تقترب من مقولة سارتر ” الجحيم هو الآخرون“، هي في حقيقة الأمر رؤية انهزامية إلا أنها تعبر بشكل واضح عن الرؤية الفلسفية للمسرح العبثي(2).

عبثية اللغة

المتتبع لأغلب مسرحيات بيكيت يجد أن شخصياته تقترب كثيرا من النمط الإنساني الذي كان يقوم بدور البطولة في المسرحيات الدينية بالعصور الوسطى، أي أنه رمز للبشرية Everyman، فهو دائما ما يبحث عن الخلاص أو في انتظار الخلاص في شكل أقرب للسخرية فهو خلاص لن يأتي، على العكس من مسرح العصور الوسطى فهو يؤكد إمكانية هذا الخلاص بوجود إله مُخَلصْ للبشرية، ليقع بيكيت في إشكالية اختلف عليها الكثير من النقاد والمحللين فالبعض وجد في مسرح بيكيت بعدا دينيا في جوهره ينعى غياب العقيدة وآخرين وجدوه ينتهي إلى إنكار التاريخ والإنسان وعبثية الحياة ولا جدواها(3).

على العكس من بيكيت نجد أن هارولد بنتر ومن قبله يونسكو قد أعطيا لمسرح العبث بعدا اجتماعيا فشخصيات بنتر ليست رموز للإنسان بل هي شخصيات لها سماتها الواضحة المحددة، فنجد أن استخدام بنتر للغة طبيعي أقرب إلى الواقع يأخذنا في مضمونه إلى الغوص في الأبعاد النفسية للشخصيات وكشف عزلتها عن واقعها، بينما الحوار عند بيكيت يدفعنا إلى التفكير في عبثية اللغة وعدم قدرتها على تحقيق التواصل بين البشر. مع ذلك اتفق الاثنان على اغتراب الإنسان عن واقعه، فالشخصيات تشعر أنها منبوذة في هذا العالم العبثي الذي يخلو من جدوى حقيقية، لا يوجد منطق محدد في علاقاتها مع محيطها المادي والمعنوي مؤكدين وقوف اللغة حائلا بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم بعد أن وقع أسيرا لأنماط لغوية تكبله وتعزله، فاللغة عند بنتر أصبحت سلاحا للقهر، وفي المقابل عند بيكيت هي حالة عبثية، لذا يجد القارﺉ لأعمال بيكيت أن الحوار مبتور دائما، يأخذنا إلى ذاتية كل شخصية على حدة، فهي أقرب إلى المونولوج الداخلي، معبرا عن الصمت لا عن التواصل، فالشخصيات مشوهة أما نفسيا أو جسديا. على سبيل المثال شخصيات مسرحيته ” لعبة النهاية “ الأربعة الرابط الأكثر وضوحا بينها هو عاهاتها الجسدية، ”هام“ – السيد – أعمى، قعيد، يعيش حياته على كرسي متحرك، ” كلوف “ – خادمه - غير قادر على الجلوس، أما ” ناج ونيل “ – والدا ”هام“ - فمبتوري الأقدام يعيشان في صندوق قمامة. هنا يصل بنا بيكت إلى أعلى درجات الاغتراب، فبالرغم من وضوح العلاقات بين الشخصيات إلا أنها دائما في معزل عن الآخر. حديثها ما هو إلا صدى لما في داخلها فقط وليس تواصلا بينها وبين الآخر.

سخرية كتاب العبث من اللغة

سخر كتاب مسرح العبث من اللغة في كثير من الأعمال المسرحية لتأكيد فشل اللغة في التواصل الإنساني وعجزها عن ذلك، ففي مسرحية لعبة النهاية ” Endgame “ نرى أن أسماء الشخصيات تبعث على السخرية فهام ” Ham “ باللغة الإنجليزية تعني فخذ الخنزير، كذلك يمكن أن تعرف أنها اسم ” حام “ أصغر أبناء نوح في مفارقة لغوية لا تخلو من السخرية وفي الوقت نفسه تترجم على أنها الممثل البارع، ونيل ” Nell “ قريبة في النطق من لفظ ” Nil “ الذي يعني الصفر أو لاشيء. وهكذا باقي الشخصيات أسماؤها لا تخلو من إيماءات لفظية ساخرة، كما أنها معبرة بشكل كبير عن شخصيات العمل المسرحي وتناقضها لتوضيح الفجوة الكبيرة بين تطلعات الإنسان وحياته التي تبدو تافهة بلا قيمة. كذلك يونسكو نراه مثلا في مسرحية ماكبت ” Macbett “ يستخدم التقارب السمعي للفظ في سخرية واضحة من مسرحية شكسبير الشهيرة ماكبث ” Macbeth “ في تقليد ساخر أقرب إلى البريسلك. كما دلل يونسكو عن العبث الكامن في اللغة من خلال استخدامه لمفردات لغوية تقليدية بتسلسل مغاير لما أعتاده المجتمع، كأنها أصبحت خاوية من محتواها الحقيقي، ويقول في ذلك يونسكو: ” لقد اعتدت على لون فارغ من الرطانة غرر بها في نهاية الأمر وألغى وجودها الإنساني “(4).

البناء الدرامي والتقاليد الأرسطية

ثار كتاب مسرح العبث على التقاليد الأرسطية، بشروطها الثلاثة البداية والعقدة والحل، فجاء حرا ساخرا من التقاليد الأرسطية تعددت فيه العقد وتعددت الخطوط الدرامية متخطيا الشكل الدرامي المعتاد، فالحبكة تحطمت قوانينها عند بيكيت لتتقابل وتتشابك الخيوط الدرامية مكونة مواقف متضاربة (5)، ففي رائعته ” في انتظار جودو“ لا نجد حدثا بالمعنى الحرفي فليس هناك بعد زمني أو عقدة أوحل، فقط ثرثرة وأحاديث بلا صراع. المحور دائري مغلق على نفسه البداية هي النهاية أو لا بداية ولا نهاية، إنه الجمود يغلف الحدث، انتفى الإحساس بالزمن، حالة الانتظار تسيطر على الكل، هنا تشكلت ثورة العبثيين على التقليد الأرسطي ليكونوا شكلا من الإعجاب والدهشة لدى المتلقي ودفعه إلى التفكير العميق في مفردات لم يعتد التعامل معها خاصة الصمت ولغة الجسد واللون.

استخدم العبثيون الكوميديا كمحفز للوصل إلى عقل المتفرج في مقابل التراجيديا التي تأخذ بقلبه فقط وتثير وجدانه للوصول به إلى رؤية محددة، لتأكيد مفهوم أن الدراما ما هي إلا طبيعة مصطنعة لا تصور الواقع وتحاكيه بل تقوم بتحليله ولتكشف له زيف الصورة المنطبعة في عقله لواقع مؤلم.

المسرح العربي و العبث

اختلفت نظرة الكتاب العرب لمسرح العبث عن رواده من الغربيين، فكتب صلاح عبد الصبور في تذييله لمسرحيته مسافر ليل: ” لقد ظلمت كلمة اللامعقول حين ألقاها بعض نقاد المسرح الحديث كثيرا، إنه ليس مسرحا لامعقولا، بمعنى أنه مجاف للعقل ولكن بمعنى أنه مجاف للقوالب العقلية المسماة بالمنطق؛ ومن هنا فهو يخضع للعقل العام، حتى كلمة العبث تبدو كلمة مخيبة للثقة، من يستطيع أن يعبث في هذا العصر الذي نعيش فيه حتى لو كان ذا نفس عبثية ؟ لنميزه إذا باختلافه عن سبيل منطق العقل إلى سبيل روح العقل ... “(6).

استخدم صلاح عبد الصبور الشعر في كتابته للعمل المسرحي ” مسافر ليل “ لقناعته أن العلاقة بين الشعر والمسرح علاقة خصبة متفقا في ذلك مع كل من العديد من كتاب مسرح العبث أمثال بيكيت وبنتر وشحادة، كذلك عند غير العبثيين مثل ت . س . أليوت وكريستوفر فراي. وهنا يقول صلاح عبد الصبور عن اختياره الشعر لمسرحيته: "نحن العرب، أغلب ظني أننا مازلنا نتلمس الطريق، وقد كانت مسرحيتي هذه حرية بأن تكتب نثرا، ولكني أظن أنها عرضة لأن تفقد الكثير".

أما توفيق الحكيم في مسرحيته ” يا طالع الشجرة “ استخدم البيئة الشعبية كجو عام لمسرحيته في محاولة لتقريب مفهوم وشكل المسرح العبثي للقارﺉ العربي، حتى في اختياره لاسم المسرحية عمد لأن يكون قريبا من البيئة الشعبية المصرية من خلال استرجاعه لأغنية شعبية فولكلورية على اسم العمل المسرحي نفسه ، ويقول توفيق الحكيم في تقديمه للمسرحية: ” إن عصر البحث والكشف في العلم عن أسرار علمية جديدة، قد جعل الفن يشعر بالغربة عن هذا العصر إذا لم ينهض هو أيضا ليبحث ويكتشف.“(7)، من هذه الجملة نستكشف أن ” الحكيم “ أراد اكتشاف أبعاد جديدة في مسرحه.

كما لا ننسى تجارب محمد سلماوي في مسرحيته ” فوت علينا بكره “ أن يقدم صورة عبثية لواقعنا المعاش في بناء درامي حافظ فيه على قواعد الصراع، إلا أنه ركز على عدم منطقية الأفعال بالنسبة لشخصيات العمل المسرحي خاصة الممثلين لفريق الموظفين، كذلك التضخيم في قطع الإكسسوار والديكور ليذكرنا على الفور باستخدام يونسكو للأسلوب نفسه في مسرحيته الخرتيت، فجاء ” ختم النسر “ وهو هنا يرمز به للقهر مجسما كبيرا يشغل مساحة كبيرة من خشبة المسرح.

العبث كما نراه ليس عبثا بل فكر وتساؤل، ففي المسرح الغربي إذا كان للوجود معنى موضوعي يمكن أن ندركه، وفي المسرح العربي عبثية الواقع أو واقعية عبث حياتنا.

_________________________

(1) المدارس المسرحية المعاصرة – د. نهاد صليحة – الهيئة المصرية للكتاب 1986 (صــ 117)
(2) المسرح بين النظرية الدرامية والنظرة الفلسفية – د. نهاد صليحة – فصول العدد الرابع يوليه 1985
(3) مقدمة مسرحية "في انتظار جودو" ترجمة بول شاوول – سلسلة من المسرح العالمي العدد 270 نوفمبر 1993 – المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت.
(4) يونسكو ومشكلة اللغة – د. نبيل حلمي – مجلة العدد 9 - 1964
(5) ما بعد العبث – د. نهاد صليحة – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1991
(6) مسرحية مسافر ليل – دار الشروق – الطبعة الرابعة 1986
(7) مسرحية يا طالع الشجرة - الهيئة المصرية للكتاب