16 فبراير، 2011

دستور يا اسيادنا !

خلال تلك الأيام كثر الحديث حول الدستور و تعديلاته ، و انتشرت دعوات صاخبة أنه من المرجح إلغاء المادة الثانية من الدستور و التي يذكر فيها أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للقانون ، و بالرغم من الشبهات العنصرية التي تفتح المجال لدولة دينية تقوم على اساس عنصري على العكس من مبادىء الثورة الشعبية التي قادها الشعب المصري خلال الأيام الماضية ، بدأت حملة غير عادية و للأسف الشديد بدأ ينخدع بها العديد من الشباب الثائر ، بأن هناك اتجاه لإلغاء المادة الثانية من الدستور ، و بالطبع جناحي تلك الحملة هما الأخوان و السلفيين.

الدستور المصري طوال تاريخه لم يحاول أن يختزل الدولة في ديانة بعينها ، إلا في التعديل الذي حدث عام 1980 ، فهو طوال تاريخه دستور مدني يحرص على وحدة الدولة ، يعترف بديانة الأغلبية و لا يبخس حق الأقليات ، بل لا يتطرق بأي شكل من الأشكال إلى الإشارة إلى ذلك ، ولكن في الفترة الأخيرة أصبحت الدعوات للدولة الدينية تؤثر على كثير من الشباب في وقت هجر العديد منهم القراءة و المعرفة الحقيقية ، لتختزل في جانب واحد وهو الجانب الديني ، فمن خلال مناقشتي لبعض الشباب خلال الفترة الأخيرة فوجئت بعدم معرفتهم بتاريخ دستور بلادهم ، متى وضع لأول مرة و كيف وضع ، و ما هي المبادئ و القواعد التي يتضمنها الدستور

في البداية لا بد أن نعرف ماذا يعني الدستور ، يعرف الدستور أنه مجموعة المبادئ الاساسية التي تنظم العلاقة بين الدولة و الشعب ، من خلال مجموعة من الحقوق و الواجبات من قبل الشعب و الحكام في مختلف الشئون الداخلية و الخارجية ، و الدستور في الدول الملكية يكون هبة من الملك للشعب ، اما الدستور في الدول الديمقراطية فهو يكون باسم الشعب ، و أعتاد المنظرين القانونيين بتعريف الدستور بأنه أبو القانون لأنه يحتوي على الأسس التي يتم من خلالها التشريع القانوني للدولة ...

عرفت مصر الدستور لأول مرة عام 1882 ، و قد صدر هذا الدستور كمنحة من الخديوي توفيق للشعب فهو يصنف على أنه دستور ملكي بالرغم أن مصر في تلك الفترة لم تكن ملكية بالمعنى المعروف بل كانت لا تزال جزء من الدولة العثمانية إلا أنها كانت تتمتع بالحكــم الذاتي ، إلا أن هذا الدستور لم يستمر طويلا و تم الغاءه بعد الاحتلال البريطاني لمصر بسنة تقريبا أي أنه لم يستمر سوى عام و بضعة أشهر.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 ، بدأت تسري في مصـر ثقافة جديدة فالحرب العالمية الأولى جعلت الكثير من الأوروبيين يلجئون إلى مصر ، بالإضافة إلى حركة التنوير التي قادها الأمام محمد عبده و الاستاذ قاسم أمين و غيرهم من المثقفين المصريين الذين تأثروا بالفكر الأوروبي الحديث الذي جلبه معهم الأوروبيين اللاجئين إلى مصر هربا من جحيم الحرب العالمية ، و كان من نتيجة ذلك ظهور سعد زغلول كبطل قومي فقد أعاد الوفد المصري الذي شكل للتفاوض مع الانجليز مفهوم الوطنية المصرية متجاوزا مفهوم التبعية لدولة الخلافة ، و عندما فجرت ثورة 1919 لم نرى توجهات طائفية دينية بل كانت ثورة وطنية خالصة لم ترتدي عباءة الإسلام بل كان شعارها الرئيسي " عاش الهلال مع الصليب " في إشارة واضحة لنبذ العنصرية الدينية و الطائفية.

Untitled

ليأتي أول ثمار تلك الثورة متمثلا في دستور 1923 الذي كان صدر في 19 إبريل ليعقد أو برلمان مصري في 15 مارس 1924 ، و بالرغم من المآخذ التي تأخذ على هذا الدستور و قد أشرت إلى جزء منها في مقال سابق ، إلا أن هذا الدستور حفظ المجتمع المصري من أية اتجاهات عنصرية أو أثنية ، من خلال مادته الثالثة و التي ذكر فيها " المصريون لدى القانون سواء ، و هم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية و السياسية ، و فيما عليهم من الواجبات و التكاليف العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين ، و إليهم وحدهم يعهد بالوظائف العامة مدنية كانت أو عسكرية ، و لا يولى الأجانب هذه الوظائف إلا في أحوال استثنائية يعينها القانون " ، كما جاء نص المادة الثانية عشر كالتالي " حرية الاعتقاد مطلقة " ، و جاءت المادة الثالثة عشر تؤكد ذلك " تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان و العقائد طبقا للتقاليد المرعية في الديار المصرية على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب " ، لم يغفل دستور 1923 العامل الديني لغالبية الشعب المصري فجاء في الباب السادس ، المادة 149 يقر فيها بأن الإسلام دين الدولة ، ولكن بالرغم من إقرار الدستور بديانة الأغلبية إلا أنه لم يختزل التشريع الدستوري في ذلك.

و في دستور 1956 جاءت مقدمته تعبر عن الوضع السياسي الجديد ، فجاء أولى كلماته " نحن الشعب المصري" ، على العكس من الدساتير الملكية السابقة ، و جاءت مادته الثالثة تؤكد أن الإسلام دين الدولة و اللغة العربية لغة الدولة الرسمية ، و أستمر الحال على ذلك في دستور الوحدة عام 1961 ن ثم في الدستور المؤقت عام 1964 أن الإسلام دين الدولة و اللغة العربية لغتها الرسمية ...

لنصل إلى دستور 1971 ليقر الدستور أن الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع ، و في غفلة من الزمان في 22 مايز 1980 تم تعديل المادة الثانية بالإضافة المواد الأخرى ، و هذا التعديل معروف في أدبيات السياسة المصرية باسم "تعديل النسوان" ، حيث تقدم تقدم عدد من السيدات على رأسهم كل من السيدة فايدة كامل ، و السيدة نوال عامر بطلب تعديل عددا من مواد الدستور ، و الغريب أنه تم الموافقة على تلك التعديلات في جلسة واحدة ، و طرح التعديل للاستفتاء بدون نشر تلك التعديلات بشكل مفصل على الشعب بل كانت هناك عدة مقالات كتبها كل من سمير رجب و موسى صبري ، و انيس منصور يمدحون في التعديلات الجديدة بدون الإشارة إلى محتوى تلك التعديلات و كالعادة تمت الموافقة عليها في سقطة تاريخية نعاني منها حتى اليوم ...

و الآن بعد تعيين المستشار طارق البشري المعروف بأتجهاته الدينية المتشددة على رأس اللجنة ، و شملت العضوية احد اقطاب الأخوان المعروفين و هو الاستاذ صبحي سالم ، بالإضافة إلى كل من ماهر سامى ، حسن بدراوى ، حاتم بجاتو من المحكمة الدستورية العليا ، و الدكتور عاطف البنا رئيس قسم القانون العام بجامعة القاهرة ، و الدكتور محمد حسنين عبد العال أستاذ القانون الدستورى ، و أخيرا الدكتور محمد باهى أستاذ القانون بجامعة الإسكندرية

أول ما يلفت النظر في تشكيل اللجنة هو خلوها التام من الأقباط ، بالإضافة إلى وجود عنصرين معروفين بالاتجاه الديني المتشدد ، غياب أي عنصر يمثل اليسار المصري ، تشكيل اللجنة معيب في مجمله يركز على جانبين فقط يميني رأسمالي رجعي معروف أنه يتحالف مع اي اتجاه يحافظ على مصالحه الرأسمالية ، و اتجاه ديني متشدد يجرنا إلى دولة دينية عنصرية ، أعتقد أنه مع تشكيل اللجنة يمكن أن نعلنها صراحة سرقة الثورة و لا عزاء للثوار ...

نشرت على موقع شباب الشرق الأوسط