28 أكتوبر، 2010

إلى أين نحن ذاهبون ( 4 )

 

far11wq89887911837 كان الصراع بين الثورة و الأحزاب محسوما مقدما لصالح العسكريين ، فجاء إصدار القانون 179 لسنة 1952 بتنظيم الحياة السياسية ما هو إلا تمهيد لحل الأحزاب ، وفي نفس اليوم صدر قانون الإصلاح الزراعي لتتحطم الأسس الاقتصادية للطبقة البرجوازية ، و في 10 ديسمبر 1952 أعلنت الثورة سقوط دستور 23 الذي كانت أعلنت قيامها لحمياته ، و في 10 فبراير 1953 أعلن عن الدستور المؤقت الذي جعل السيادة العليا في الدولة في يد قائد الثورة ، و جعل السلطة التشريعية في يد مجلس الوزراء على أن تكون خاضعة لرقابة مجلس قيادة الثورة ، و كانت الخطوة الطبيعية التالية هي الغاء الملكية و إعلان الجمهورية ، وهو ما تم في 18 يونية 1953 ، و بهذه الخطوة أتمت ثورة يوليو القضاء على النظام القديم و تغيير أسس المجتمع المصري ، و تقويض المؤسسات السياسية و الدستورية البرجوازية الحاكمة القديمة ، و قد وسع قانون الإصلاح الزراعي من البرجوازية الصغيرة على حساب البرجوازية الكبيرة إلا أن السلطة الحقيقية انتقلت إلى الطبقة العسكرية و لم تنتقل إلى الشعب.

إلا أن الصراع لم ينتهي بل زاد و بلغ ذروته في أزمة مارس 1954 التي خرج منها مجلس قيادة الثورة منتصرا و إبعاد بعض العناصر من الضباط الأحرار و تركيز السلطة في يد مجلس قيادة الثورة ، لتتحول مصر إلى حكم ذو طبيعة أوليجاركية لا تؤمن بالأساليب الليبرالية.

في 16 يناير أعلن جمال عبد الناصر قواعد الدستور الجديد الذي كان يختلف تمام الاختلاف عن دستور 23 ، فقد جعل مصر جمهورية رئاسية و اعطها نظاما برلمانيا بلا صلاحيات قوية للرقابة على الحكومة أو مؤسسة الرئاسة ، بعد أن وضع في يد رئيس الجمهورية و الذي يمثل السلطة التنفيذية سلطات واسعة ، و في 25 يونيه 1956 أجري استفتاء على الدستور و على رئاسة بعد الناصر ، و منذ ذلك الحين انتهت سلطة مجلس قيادة الثورة من الناحية الشرعية إلا أنها ظلت موجودة من الناحية العملية بعد تعيين خمسة من أعضاء مجلس قيادة الثورة كأعضاء في الحكومة الجديدة و هم عبد اللطيف البغدادي ، زكريا محي الدين ، حسين الشافعي ، عبد الحكيم عامر ، و كمال الدين حسين ، هكذا انتقلت السلطة فعليا من البرجوازية الكبيرة إلى الطبقة الجديدة التي سيطرت على وسائل الإنتاج من خلال قوانين الإصلاح الزراعي و التأميم ، و هي الطبقة البرجوازية الصغيرة.

الثورة و أزمة البحث عن منهج

في عام 1962 أعلن جمال عبد الناصر بعد مرور عشر سنوات على الثورة عن "ميثاق العمل الوطني" الذي قدمه إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية ، وقال في تقديمه للميثاق: " هو عبارة عن مبادئ عامة و أطار للعمل أو للخطة نتاج تجربة و ممارسة عشر سنوات ، كانت فترة انتهجنا فيها أسلوب التجربة و الخطـأ" ، و كانت بمثابة إعلان أو اعتراف من قائد الثورة إلى افتقادها إلى للمنهج و النظرية ، و انتهاجها أسلوب التجربة و الخطأ للممسارة ، تجرب ثم تخطيء ثم تصحح ، و قد أكد ذلك في خطاب له عام 7 إبريل عام 1963 حيث قال: "بالنسبة لتجربتنا قابلتنا أسئلة كثيرة بهذا الشكل ، و كان لابد و أن نوضحها في أول يوم ، فلم يكن عندنا منهج أو نظرية ، لم يكن لدينا منظمة شعبية ، و لكن كان لدينا المبادئ الستة".

بدأت أزمة الثورة المنهجية مع بدايتها و إعلانها سقوط دستور 1923 يوم 10 ديسمبر 1952 ، و إعلانها عن تشكيل لجنة لوضع دستور جديد يقره الشعب ، إلا أن موقفها من الملكية كان مرتبكا فقد أسقطت دستور الملك في البداية إلا أنها لم تعلن سقوط الملكية و إعلان الجمهورية إلا بعد ستة أشهر في 18 يونيه 1953 ، ثم طلبت من الأحزاب تطهير نفسها و أصدرت أول قانون لتنظيم الأحزاب ذكر في مادته الثانية أن للمصريين الحق في تكوين الأحزاب السياسية ولكل مصري الحق في الانتماء لأي حزب ، كما ذكر في مادته الثالثة أن الحزب لا يحل إلا بحكم قضائي يصدر من محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ، إلا أنه لم ينقضي سوى ثلاثة اشهر على صدور قانون الأحزاب لعام 1953 حتى صدر إعلان بحل الأحزاب السياسية القائمة و تحريم إنشائها في المستقبل.

و قد أتضح ذلك أكثر في رؤية الثورة للدستور ففي البداية تم تشكيل لجنة من خمسين عضوا لتعمل على وضع دستور يتفق مع أهداف الثورة ، إلا أنها بعد ثلاثة أيام فقط من قرار تشكيل لجنة الدستور صدر إعلان 16 يناير بتحديد فترة انتقالية ثلاثة سنوات ، ثم أعلنت في 10 فبراير 53 إعلانا دستوريا يوضح نظام الحكم في فترة الانتقال يتولى فيه مجلس قيادة الثورة أعمال السيادة العليا ، و في يوم 17 يناير 1955 انتهت لجنة الخمسين من وضع مشروع الدستور و قدمته إلى مجلس الوزراء إلا أن مجلس قيادة الثورة رفض هذا المشروع بحجة أن نظام الحكم نيابي اكثر مما يجب و ارجئت العمل به إلى يونيو 1956 وهو التاريخ الذي تحدد لإجلاء قوات الاحتلال البريطاني ، و لم يستمر هذا الدستور طويلا و ألغي في 5 مارس 1958 بعد الوحدة ما بين مصر و سوريا ، ثم عاد مرة أخرى بعد الانفصال ، إلا أنه لم يستمر طويلا و بعد عامين صدر دستور مؤقت في 23 مارس 1964.

نرى من هنا أن الثورة بالفعل لم يكن لها منهجا واضحا للحكم ، وقد نرى تناقض في أحيان كثيرة إلا أنه و لا شك أن هناك متغيرات أدت إلى هذه التغيرات ، و لكن بسبب بعد المنهج العلمي الذي ربما كان قصر الطريق أمام قادة الثورة في أحيانا كثيرة بدلا من التخبط الذي حدث في تلك الفترة.

تفكيك البرجوازية الكبرى

عند الحديث عن تفكيك البرجوازية الكبرى كان لابد من الإشارة إلى الطبقة التي ينتمي لها قادة الثورة ، وهو شيء لا فكاك فيه ، فالمقياس العلمي للانتماء هو الانتماء الطبقي و الموقف السياسي ما هو إلا انعكاسا له ، و يقول ماركس : "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم ، بالعكس فإن وجودهم الطبقي هو الذي يحدد وعيهم" ، إلا أننا لا نستطيع أن نقرن دائما الانتماء الطبقي لقادة الثورة بموقفهم السياسي ، فتاريخ الحركة المصرية مليء بتناقضات طبقية ، فاحمد عرابي فلاح مجند ، مصطفى كامل محامي ، محمد فريد إقطاعي أنفق ثروته على الحركة الوطنية و مات معدما ؛ إلا أن أغلب قرارات الثورة جاءت موجهة في الدرجة الأولى إلى صالح الفلاحين و العمال ، و من أهم هذه القرارات هو قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في 9 سبتمبر 1952 ، و كان له أثر بالغ في تفكيك البرجوازية المصرية التي كانت تعتمد على الملكيات الزراعية الكبيرة ، و كان هذا القانون أولى التحديات التي وضعت الثورة في صراع بينها و بين الأحزاب القديمة.

Picture4

فمنذ صدور قانون الإصلاح الزراعي لم تتوقف الدراسات و التحليلات الاقتصادية و الاجتماعية له ، فهناك من عارضه و هناك من ايده ، إلا أننا لن نستطيع أن ننكر أثره على إحداث تغيرات على الشكل الاجتماعي في مصر ، و لكن بالتدقيق نجد أن أثره كان محدودا ، فالقانون في إصداره الأول حدد الملكية الفردية القصوى ب 200 فدان ، و عندما وجدوا أن الإقطاعيين تحايلوا على القانون بتوزيع أراضيهم على أولادهم و زوجاتهم ، صدر تعديل للقانون سنة 1958 بتحديد الملكية للأسرة بـ 300 فدان ، إلا أن ضيق المساحة المزروعة و كثافة السكان في الريف لم يغير الكثير من واقع الأمر و ظل الإقطاعيين الكبار و كان عددهم حوالي 2000 فرد كما هم ، يملكون النسبة الأكبر من الأراضي الزراعية ، ولكن كان هناك شريحة أخرى من الملاك – يصل تعدادها حسب وثائق هيئة الإصلاح الزراعي ما يقرب من 65 ألف فرد - وهم الاكثر عددا و الاكثر اتصالا بالفلاحين و هم اللذين لم تطالهم يد قانون الإصلاح الزراعي و سيطرة هؤلاء على الفلاح كانت أكبر فهم يقومون بدور الوسيط بين الفلاحين و كبار الملاك كوسطاء للتسويق و لعمليات الإيجار أو الإشراف على زراعات الإقطاعيين الكبار اللذين سكنوا المدن و ليس الريف و لم تكن لهم علاقة مباشرة بملكياتهم الزراعية سوى بتحصيل الأموال في نهاية كل موسم زراعي ، لتتحول هذه الشريحة من أعيان من الدرجة الثانية إلى أعيان من الدرجة الأولى فسيطرتهم على الأراضي لم تنقطع ، و هم مسيطرين على تسويق المنتجات الزراعية التي يزرعها الفلاحين و يحددون الأسعار ، لذا كان لابد للثورة أن تقف في وجه الإقطاعيين الجدد ، فصدر قانون إيجارات الأراضي الزراعية بتعديلاته ، التي حرمت تأجير الأرض إلا لمن يزرعها ، و حددت قيمة الإيجار بسبعة أمثال الضريبة المستحقة ، مع إبقاء عبء الضريبة على المالك و ليس المستأجر ، ثم أنشأ بحكم القانون الجمعيات التعاونية الزراعية و الذي أشترط على عضويتها ألا تزيد ملكية العضو عن خمسة أفدنة ، و جعل من مهامها الحصول على السلف الزراعية ، و مد أعضائها بالبذور و السماد و الماشية و الآلات الزراعية ، و تسويق المحصول لصالح أعضائها ، و العديد من الخدمات الزراعية الأخرى بالإضافة إلى الخدمات الزراعية.

71824bd2609fffdf_large

كانت ردود الفعل عند بعض "السادة" مقززة فهذا القانون أفسد الفلاحين "على حسب قولهم" ، فالفلاح اليوم تعلم الجرأة و التطاول و قلة الأدب ، مع أسياد البلاد ، و فتح عيونهم على ما كانوا يعانونه من حرمان ، و نسوا أن بهذا القانون أصبح الجميع يقفون على نفس الأرض فلا سيد و لا عبد ، فقد تحرر الفلاح من تبعيته لمالك الأرض ، كما أنه أخرج الفلاح المصري من هامشية المجتمع إلى بؤرة الصراع الاجتماعي و السياسي ، فأعتبر بعض المحللين أن هذا القانون لم تكن أهميته فقط اقتصادية ، أو أهمية علائقية مع الفكر الاشتراكي للثورة ، بل اعتبروه أكثر القوانين ذات التحول الديمقراطي لتحويل طبقة من الجانب المهمش إلى جانب أصيل و مشارك في العملية السياسية ، ثم جاء قرار التمثيل النسبي للعمال و الفلاحين في البرلمان بنسبة 50% لتأكيد تفكيك الطبقة البرجوازية الكبرى التي كانت مسيطرة على الحياة السياسية في مصر ، فالسماح لطبقة الفلاحين و العمال التي تم تهمشيها عمدا بتحديد رسم نقدي للتقدم للانتخابات البرلمانية مبالغ في تقديره بمقاييس تلك الفترة الزمنية ، جعل تقدم أحد أبناء تلك الطبقة مستحيلا.

و في المقابل على عكس ما يقال أن ثورة يوليو كانت تقف عقبة أمام الاستثمار الخاص فإننا نجد أن القانون رقم 156 الذي صدر في 2 إبريل عام 1953 ، سمح لرأس المال الأجنبي أن يمتلك 51% من رأس المال في الشركات المساهمة عند التأسيس ، كما حدد القانون شروط تحويل الأرباح بما لا يتجاوز 10% من الأرباح بالعملة الأصلية ، كما أجاز تجاوز تلك النسبة في حدود ما يحققه المستثمر الأجنبي من عملة أجنبية ، كما أجازت إعادة تحويل رأس المال الأجنبي بعد خمس سنوات بما لا يتجاوز ما قيمته خمس القيمة المسجل بها.

و من إحصاءات وزارة الصناعة عام 1961 ،كانت أوضاع الملكيات الصناعية كما يلي: -

clip_image001 66% من الاقتصاد الوطني كان في يد القطاع الخاص الوطني

clip_image001[1] الزراعة المصرية 100% في يد القطاع الخاص

clip_image001[2] 79% من التجارة قطاع خاص

clip_image001[3] 76% من شركات المقاولات قطاع خاص

clip_image001[4] 56% من الصناعة قطاع خاص

و حينما صدرت القوانين الاشتراكية و التأميمات كان سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة السيد "جون بادو" ، الذي كان رئيسا للجامعة الأمريكية بالقاهرة من قبل ، و الذي عاش في مصر ما يقرب من ثلاثين عاما ، كتب في مذكراته قائلا : "حينما صدرت هذه القوانين ثارت ضجة حولها فقررت تكوين فريق عمل من رجال السفارة لدراستها بدقة و انتهينا إلى أن حجم القطاع العام الجديد فى مصر أقل منه فى إسرائيل و فى الهند و فى فرنسا و فى بريطانيا بل و فى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ، و انه لا يصادر القطاع الخاص أو يغلق الطريق أمامه بل على العكس سوف يحفزه و يدفعه للمنافسة فى ظل اقتصاد مختلط كما حدث فى هذه الدول".

و يؤكد ذلك من خلال تقريره الذي قدمه للرئيس الأمريكي جون كينيدي بعنوان The American Approach To The Arab World قال فيه : "ولمزيد من الاطمئنان من جانب واشنطن فقد أوفد الرئيس جون كينيدى مبعوثا خاصا هو الدكتور إدوارد ماسون أستاذ الاقتصاد المشهور وبعد أن قام بدراسته المفصلة للقوانين وللأوضاع فى مصر قدم تقريرا يتلخص فى أنه لم يكن أمام ناصر طريق آخر أو أفضل."

و كانت الخطة الخمسية الأولى 1961 / 1966 التي اعتمدتها الأمم المتحدة و اعتبرتها نموذجا للتنمية في العالم الثالث ، مما أدى إلى توافد الخبراء و البعثات من مختلف أنحاء العالم للبحث و دراسة التجربة المصرية للاستفادة من دروسها.

و بالرغم من تسارع خطوات التنمية إلا أنها في نفس الوقت حافظت على مفاهيم العدالة الاجتماعية ، فجاءت قوانين العمل و التي أعطت الحق للعمال في المشاركة في إدارة الشركات ، و المشاركة في نسبة الأرباح ، كذلك قوانين القوى العاملة التي كان لها مردود اجتماعيا كبيرا بالرغم من أعبائها الاقتصادية إلا أن تسارع معدل التنمية في تلك الفترة كان موازي لزيادة معدلات الخريجين من المعاهد المتوسطة و الجامعات و استطاعت الدولة أن تستوعب أكثر من 90% من الخريجين في فترة الخطة الخمسية ، مما أدى إلى حالة استقرار اجتماعي بعد أن أصبح كل خريج مؤتمن على مستقبله بالحصول على عمل مناسب مما أكد مفهوم العدالة الاجتماعية التي أعلنتها الثورة ضمن أهدافها الستة .... ولكن !