8 أكتوبر، 2010

إلى أين نحن ذاهبون ؟ ( 2 )

أعلم أنني تأخرت كثيرا لاستكمال تلك السلسلة التي بدأتها ، ولكن ذلك كان لأسباب خراجة عن إرادتي ، و لكني عدت اليوم أكثر حماسا و إصرارا على استكمال ما بدأت ؛ خلال قراءاتي للتجهيز لمقالي الثاني ضمن تلك السلسة التي أردت من خلالها شرح التغيرات التي حدثت في مصر خلال الخمسة و العشرين عاما الأخيرة و كيف و صلنا إلى هذه الدرجة و إلى أين نحـن ذاهبون ، طفت على سطح الأحداث قضية في غاية الخطورة و هي قضية الغذاء و اكتفاء مصر من أحد أهم المنتجات الزراعية و هي "القمح" ، فخلال السنوات الأخيرة ارتفعت اسعار القمح في العالم إلى مستويات غير مسبوقة ، مما زاد العبء المالي على الدولة لتوفير رغيف العيش بسعر مناسب ، ليصل سعر الرغيف الصالح للأكل إلى 25 قرش.

فجرت القضية من خلال برنامج مانشيت بقناة "أون تي في" بعد استضافته الأديبة "سكينة السادات" و التي أطلعتنا على تجربة مصرية رائعة أقدمت عليها إحدى الباحثات في مجال الأنثربولجي ، و التي أثبتت أبحاثها و تجاربها الفعلية إلى استطاتنعا زيادة ناتج الفدان إلى أرقام قياسية نستطيع لو عممنا هذا المشروع أن يكون لدينا اكتفاء ذاتي من القمح ، لن أسترسل في الحديث عما قيل في البرنامج و لكن تلك الحلقة و أيضا الحملة التي أطلقها عددا من المدونين النشطاء لعودة زراعة القمح مرة أخرى في مصر جعلني ابحث في مكتبتي عن كتب تتحدث عن هذا الموضوع و بالفعل وجدت كتابا يتحدث عن تجارب زراعية حدثت خارج مصر في منتصف سبعينات القرن الماضي و كيف تم إجهاضها !

في عام 1943 أقامت مؤسسة روكفيلر مركزا علميا مهمته مساعدة فقراء الفلاحين في دولة المكسيك من خلال أحد علماء الزراعة اسمه نورمان بورلوج ، الذي بدأ ما عرف وقتها بثورة القمح الهادئة و الذي أستطاع استنباط سلالة جديدة تعطي إنتاجية كبيرة للفلاح ، و بالفعل أستطاع هذا المركز أن يصل بدولة المكسيك إلى الاكتفاء الذاتي من القمح عام 1956 ، و في عام 1963 اقامت الحكومة المكسيكية بمعاونة من مؤسسة فورد المركز الدولي لتحسين الذرة و القمح كان أطلق عليه CIMMYT و بالفعل نجح المشروع  و في عام 1964 كانت المكسيك تصدر أكثر من نصف مليون طن سنويا من القمح.

لم يكتفي السيد نورمان بورلوج فقد كان طموحه كبيرا و انتقل بمشروعه إلى كل من الهند و باكستان فقد كانت كل من الهند و باكستان تعانيان من أزمة غذائية كبيرة و اضطرت الدولة حينها أن تستورد 25,4 مليون طن من الحبوب فيما بين أعوام 1961 و 1965 و كان تعدادها في ذلك الوقت 480 مليون نسمة.
و هنا جاء دور السيد بورلوج في الذي قام بتجهيز حمولة مكونة من 35 شاحنة من بذور القمح المحسن وراثيا و تم شحنها إلى ميناء لوس أنجليس لنقلها إلى الهند إلا أن الشاحنة تعرضت لكثير من المضايقات من السلطات الأمريكية إلا أنها في النهاية و صلت إلى الهنـد ، و نجح مشروع السيد بورلوج و في عام 1979 وصل إنتاج القمح في الهند إلى رقم أعتبر في ذلك الوقت تاريخي 131 مليون طن لتتحول الهند من دولة مستوردة للقمح إلى واحدة من أكبر دول العالم المنتجة له ، حتى أن مصر في عام 2002 لجأت لباكستان لتوفير ما تحتاجه من القمح.

بالطبع مثل تلك المشروعات لا يمكن أن تمر مرور الكرام ، فالدول و المؤسسات الرأسمالية الكبرى تعرف جيدا أن من يمتلك غذائه يمتلك قراره و بدأت عمليات إجهاض المشروع من ثمانيات القرن الماضي ، بدعوى أن تلك السلالات الجديدة تستهلك الكثير من الماء و المخصبات مما سوف يأتي بآثار سلبية على الأنهار و الترع كما أنها قد تتسبب باستنفاذ موارد المياه الجوفية و تعجل بتمليح التربة إلا أن الحكومتين الهندية و الباكستانية لم تتراجع و استمرت في مشروعها و هي اليوم لديها اكتفاء تام من القمح و الحبوب و تصدر كميات لا بأس بها.
لم يكتفي السيد بورلوج بما حققه في الهند و باكستان و قرر الانتقال بمشروعه إلى أفريقيا ، و هنا ثارت المؤسسات المالية المسيطرة على سوق الحبوب في العالم ، و ضغطت على الحكومات لإيقاف هذا المشروع ، و بدأت الحرب لإيقاف المشروع و قررت مؤسستي فورد و روكفيلر كذلك البنك الدولي الانسحاب من المشروع بعد أن نشرت في الصحف تقارير أن الاستخدام المكثف للأسمدة الكيماوية سيتسبب في تلويث المياه ، كذلك تلك الأسمدة تسبب السرطان ، و بالفعل نجحت تلك التقارير في تحريك أحزاب الخضر في أوروبا  و قاموا بحملة كبيرة لإيقاف المشروع ، و كلن هؤلاء المثاليين و قعوا في الفخ الذي تم التخطيط له ببراعة ، فالإحصاءات التي نشرت في تلك الفترة لم تكن خاصة بأفريقيا بل هي خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية و تناسى هؤلاء أن اراضي القارة الأفريقية لا تحتاج إلى استخدام مكثف للأسمدة الكيماوية و أن اراضي القارة السمراء غنية و خصبة بطبعها ، و غضب السيد بورلوج كثيرا و قال : " إن بعض المناورين في دول الغرب هم ملح الأرض ، لكن الكثيرين منهم يؤمنون بحك النخبة ، هم لم يجربوا يوما الإحساس بالجوع ، يناورون من مكاتبهم الفخمة في واشنطن و بروكسل ، لو أنهم عاشوا شهرا واحدا في العالم الثالث – و قد عشت أنا هناك خمسين عاما – إذا لطالبوا بالجرارات و الأسمدة و قنوات الري ، و لغضبوا إذ يرون مثل هذه النخبة في بلادهم ينكرونها عليهم" .

الجوع في افريقيا

لم تفق أحزاب الخضر في العالم إلا متأخرا بعد أن تم بالفعل إيقاف مشروع بورلوج و أستمر الجوع يأكل الفقراء في العالم حتى وصلت آخر الإحصاءات أن في كل دقيقة يموت من الجوع في العالم الثالث 30 شخص يشكل الأطفال أكثر من نصفهم فإلى اين نحن ذاهبون !