26 مارس، 2010

الصراع الطبقي في المجتمع المصري ( 1 )

إن ما يحدث اليوم كأنه إعادة للتاريخ ولكن بظروف مختلفة فمنذ أكثر من خمسين عاما و خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت مصر حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي اسفر عن هرج سياسي و الذي كان مقدمة لثورة 23 يوليو 52 ، و اليوم تشهد مصر حالة مشابهة فالأستقرار الإجتماعي مفقود نتيجة لقرارات اقتصادية و سياسية خاطئة ، مما نتج عنها بالتالي حالة عدم استقرار سياسي و تمرد بدأ يأخذ شكل العصيان المدني من خلال إعتصامات ووقفات احتجاجية من نوعيات مختلفة لم تكن فقط مقصورة على فئة معينة بل امتدت حتى إلى من ينتمون إلى المرتبة العليا من الطبقة المتوسطة أمثال الأطباء و المهندسين و أساتذة الجامعات ، فهل مصر على أعتاب ثورة جديدة نتيجة للتغيرات الاجتماعية و الصراع الطبقي الذي زادت حدته في الفترة الأخيرة هذا هو السؤال الأساسي و الذي أحاول الوصول لإجابة عليه !!

مقدمة

على الرغم إن مصطلح "الطبقة - Social Class " ، يعد من المصطلحات الأكثر شيوعا في علم الاجتماع ،إلا أنه لا يوجد اتفاق بين العالم على تعريفه ، فعلماء الاجتماع يستخدمون المصطلح للإشارة إلى الفروقات بين الجماعات و الأفراد التي تخلق صورا في التفاوت المادي والقوة المجتمعية ، فماركس حدد الطبقة بأنها " تجمع بين اشخاص ينجزوا عملا واحدا ، في إطار عملية إنتاجية واحدة ، و تختلف بإختلاف وضعهم الإقتصادي ، و موقعهم من عملية الإنتاج ، هذا ووفقا لتعريف ماركس فإن المتغير الأساسي لنشوء الطبقة هو الملكية ، أما المتغير الوسيط هو تقسيم العمل ، ويرى ماركس أن الطبقة لا يتم تشكلها بصورة نهائية إلاّ بوجود الوعي الذاتي بها والذي لا يمكن أن يوجد إلا من طريق الأيديولوجية الطبقية.

و يرى عالم الإجتماع الألماني المعاصر R. Dahrendorf أن الغموض الذي يحدث بين علماء الاجتماع ، فيما يتعلق بدراسة الطبقة ، يرجع إلى الخلط بين مفهومي : الطبقة Class ، والشريحة Stratum ؛ و يعني بالشريحة الاجتماعية فئة من الناس تشغل وضعاً متشابهاً في هرم الترتيب الطبقي ، الذي يتميز بخصائص وسمات موقفية ، مثل الدخل والمنزِلة Prestige وأسلوب الحياة ، كما يرى أن الشريحة فئة وصفية ، في حين أن الطبقة فئة تحليلية تُعبّر عن تجمعات تظهر بفعل ظروف بنائية خاصة ، وأياً كانت التفرقة التي يضعها داهرندوف بين الطبقة والشريحة الاجتماعية ، فإنه يضيف إلى التعريف الماركسي بُعدين ، هما : المنزِلة الاجتماعية وأسلوب الحياة ، اللذين تختلف على أساسهما الطبقات بعضها عن بعض.

و يرى عالم الإجتماع الإمريكي لويس كوزر الذي أهتم بالنظرية الوظيفية ، و قدم مساهمة في نظرية الصراع الإجتماعي فقال في تعريفه " إن الصراع الإجتماعي مجابهة حول القيم أو الرغبة في إمتلاك الجاه و القوة و النفوذ أو الموارد النادرة ...

المجتمع المصري ما قبل الثورة

أجمع المؤرخين و الباحثين أن الحقبة ما بين عام 1945 إلى عام 1952 تعد حاسمة في تاريخ مصر ، ففي هذه السنوات القليلة أختمرت عوامل الثورة على النظام القديم ، الذي كان أبرز سماته سيطرة القلة على موراد الثروة القومية في ريف مصر و حضرها مما أدى إلى شيوع إحساس عام بالظلم و العدالة الإجتماعية ، و أنعكس ذلك بظهور عدد من المشكلات الإجتماعية التي كانت جزءا من الأزمة السياسية التي كشف عنها عدم الإستقرار السياسي ، و ذيوع حالات الإغتيال لبعض الوزراء و القيادات في تلك الفترة ، و نتج عن ذلك أنتشار جماعات سياسية مثل جماعة الأخوان المسلمين ، و تأثير المنظمات الشيوعية على شرائح إجتماعية المتمثلة في العمال ؛ في نفس الوقت تصاعدت الإتهامات بين المتبادلة بين حزب الأغلبية ممثلا في الوفد و أحزاب الأقلية من ناحية ، و على الجانب الآخر صراع ما بين الأحزاب بعمومها و الجماعات و التنظيمات الجديدة التي بدأت تركز على فشل الأحزاب ، مما دعا المفكرين المصريين خلال تلك الفترة إلى التركيز على الدعوة إلى إصلاح النظام الإجتماعي في مصر قبل ثورة 1952.

الصحافة المصرية المشكلات الإجتماعية من 1945 إلى 1952

في دراسة بعنوان "المجتمع المصري في الصحافة المصرية" قامت بها الدكتورة نجوى حسين خليل الخبيرة بالمركز القومي للبحوث الإجتماعية توصلت من خلال إحصاءات عن ابرز القضايا التي تناولتها الصحف المصرية ما بين عام 45 إلى عام 52 جاءت حسب الترتيب التالي : -

1- قضية عدم المساواة بين طبقات الشعب و العدالة الإجتماعية هي القضية الأكثر بروزا في المقالات و أعمدة الرأي في الصحافة المصرية.

2- قضية التعليم و فساد العملية التعليمية و ضعف المقرارات الدراسية

3- قضية الغلاء و ارتفاع الأسعار نتيجة للحرب العالمية و حالات الإستغلال الناتج عن ذلك

4- قضية الأمراض الإجتماعية الناتجة عن الحالة الأقتصادية والسياسية

5- وضع المرأة و دورها في المجتمع ، ووضح ذلك من خلال مقالات درية شفيق في مجلة بنت النيل ، بالإضافة إلى مقالات مفيدة عبد الرحمن و منيرة ثابت على صفحات الأهرام ، إلا أن قلت المقالات عن وضع المرأة بعد فتح باب التعليم الجامعي عام 1949

6- الصحة خاصة و أن عام 1947 أنتشرت فيه الأوبئة و شهدت مصر في تلك الفترة وباء الكوليرا

7- العمال وقد فرضت تلك القضية نفسها على الصحافة المصرية نتيجة لشيوع البطالة بين الطبقة العمالية بعد نشوب الحرب العالمية الثانية التي نتج عنها إغلاق المصانع ، و أستطاعت تلك المقالات أن تحث الدولة على إصدار تشريعات لصالح العمال خففت من حدة المشكلة العمالية

8- الإسكان

9- الزيادة السكان

تحليل كمي للقضايا الاجتماعية في الصحف المصرية

القضية / السنة

1945

1946

1947

1948

1949

1950

1951

1952

إجمالي

عدم المساواة

75

102

29

90

45

62

80

41

524

التعليم

44

72

27

31

37

44

23

22

300

الأسعار

11

25

33

52

40

53

90

28

332

الأمراض الإجتماعية

3

47

8

15

36

61

85

36

291

قضية المرأة

9

33

28

11

98

52

22

35

193

الصحة

33

35

000

16

51

10

23

16

184

العمال

42

79

12

23

7

9

34

9

215

الإسكان

000

19

1

18

15

000

14

9

76

الزيادة السكانية

1

6

000

2

1

1

000

6

17

الإجمالي

217

418

138

394

333

292

672

202


جدول يوضح عدد المقالات التي أثيرت لكل مشكلة

يلاحظ من خلال الجدول السابق أن عام 1947 كان أقل الأعوام إثارة للمشكلات و القضايا ، لم يكن هذا لأن هناك حكومة أستطاعت الخوض في تلك المشكلات و الوصول إلى حلول لها ولكن في هذه الفترة كان رئيس وزراء مصر إسماعيل صدقي باشا ، ثم تلاه حكومة النقراشي ، حيث دأبت الحكومتين على مصادرة الصحف ، و بالرغم من الزيادة النسبية عام 1948 حيث تفاقمت المشكلات الإجتماعية بشكل كبير و كان من المفترض أن تزيد عدد المقالات التي تتناول مشكلات المجتمع المصري إلا أن أزمة الورق التي شهدتها مصر في مارس من نفس العام حتى أن وزارة التجارة في تلك الفترة أضطرت إلى تحديد عدد صفحات الصحف ،و في نفس الوقت ظهرت على السطح مشكلة فلشطين التي أخذت جانب كبير من أهتمام كتاب المقالات ، بالإضافة إلى قرارات المصادرة و فرض الأحكام العرفية و الرقابة أعاقت كثيرا زيادة معدلات تناول القضايا المصرية في الصحف.

يتضح ايضا من خلاله أن مشكلة عدم المساواة احتلت المرتبة الأولى ، و كانت هي الأكثر بروزا خلال السنوات 1945 ، 1946 ، 1948 ، 1951 على الترتيب ، فقضية عدم المساواة أو الطبقية هي القضية الأكثر بروزا نتيجة لسياسات اقتصادية أدت إلى تعاظم الفارق بين الأإنياء و الفقراء و سيطرة شريحة صغيرة لا تزيد عن 2% على أكثر من 80% من الدخل القومي لمصر ، بالإضافة إلى ملكية هذه الطبقة ما يقرب من 98% من إجمالي الأراضي الرزاعية في مصر في وقت كان عدد سكان مصر لا يزيد عن 20 مليون نسمة أي أن هناك 400,000 فرد بأيديهم مقدرات الشعب فهم يمتلكون أهم مصادر الدخل في مصر و يمكن أن نعتبرها مصدر الدخل القومي الوحيد في تلك الفترة و هي الزراعة ، فلم تكن في مصر صناعة حقيقة يمكن أن تؤثر على مستوى الدخل العام للدولة.

لذا فسنجد أن قضية الأسعار جاءت في المركز الثاني في عدد المقالات ، فمن آثار الحرب العالمية الثانية على مصر حدوث أرتفاع كبير في معدلات اسعار السلع بسبب ندرة الإستيراد لظروف الحرب و استيلاء الجيش البيرطاني على حصة متعاظمة من الإنتاج الزراعي فشحت البضائع و بالتالي زادت الأسعار حتى أن الدولة فرضت تسعيرة جبرية على السلع الغذائية لأول مرة في تاريخ مصر في محاولة للسيطرة على إرتفاع الأسعار ، و في نفس الوقت ظهر مصطلح السوق السوداء لأول مرة ، كما ظهر معها ما سمي بأغنياء الحرب اللذين استطاعوا الاستفادة من ظروف الحرب و التجارة في السوق السوداء أو التعامل مع جيش الإحتلال في توريد السلع الغذائية لمعسكراتهم.

جاءت قضية التعليم في المركز الثالث ، من المعروف أن دستور 1923 نص على إلزامية التعليم الأولي للمصريين ، و من قبل ذلك فمنذ أن تطلع محمد علي لبناء دولة قوية عرف أن السبيل إلى الوصول لذلك لن يأتي إلا من خلال التعليم ، و أختار وقتها 44 طالبا من طلاب الأزهر و المدارس الأخرى و ارسلهم في بعثة إلى فرنسا ، و أختار العالم الفرنسي جومار كمشرف عاما على البعثة ، ز كانت تلك البعثة هي نواة لما يمكن أن نطلق عليه ثورة التعليم في مصر ، و كان أول ناظر للمعارف في 11 فبراير 1837 ، و بعد أنهيار حلم محمد علي لتأسيس دولة قوية على أنقاض الخلافة العثمانية التي بدأت في الإنهيار و إحتلال الإنجليز لمصر ، و بسبب عدم تطوير التعليم بالشكل الكافي بعد التطور الكبير الذي شهده العالم في تلك الفترة خصوصا بعد الحرب العالمية الأولى سنجد أن المقالات تتحدث ن اشياء ليست غريبة عما يحدث اليوم ، فقد أنتقد الكتاب و المفكرين في تلك الفترة أن المناهج تهتم بملء أدمغة التلاميذ بحشد هائل من شتا المعلومات المفيد منها و غير المفيد و صار المعلم فى المدارس آله صماء أمام القانون و صار التلاميذ آله فى يد المعلم و فقد كلاهما شخصيته و صارت المدارس أشبه بالسجون و الهم الأكبر الذى يشغل التلاميذ و المدرس و ناظر المدرسة و وزارة المعارف هو نجاح التلميذ فى الإمتحان دون أدنا إهتمام بقدراته العقلية و الفكرية و ملكاته الإبداعية ، ثم أتت الأمراض الإجتماعية في المركز الرابع في عدد المقالات بالصحف المصرية ، ثم أتت بعدها قضية العمال ، ثم قضية المرأة هكذا تواليك.