26 مارس 2017

الرأسمالية و دقات نهاية الساعة


منذ سبتمبر 2008 و تعيش الرأسمالية فى أزمة خانقة لم تستطع الخروج منها بالرغم من أستخدامها لكافة الوسائل المتاحة لها للخروج من أنهيارها و الدعايات المركزة أن الأزمة فى طريقها للحل إلا أن الواقع اصبح أكثر إيلاما فكل الخبراء أجمعوا على فشل كل منظومات الإصلاح طالما أن العصب الأساسى للرأسمالية الجديدة التى أنطلقت منذ تسعينات القرن الماضى لم تتغير ، فالتحول الذى حدث فى بنية الأقتصاد الرأسمالى بتحولها من رأسمالية أنتاجية إلى ورقية أسقطها فى هوة عميقة و كشف زيفها

يقوم الأقتصاد الرأسمالى فى كلاسكياته على الانتاج الكبير و تحقيق أكبر قدر من الربح من خلال عائدات بيع الأنتاج إلا أن اليوم أصبح الجانب الأكبر منه لا يأتى من العمليات الإنتاجية و لكن من خلال مضاربات ورقية بدون بضائع مما أدى إلى إنخفاض الوزن النسبى للعملات على مستوى العالم نتيجة لزيادة التضخم فحجم الأموال المتداولة ورقياً تزيد بأضعاف أضعاف المخرج الانتاجى من البضائع الفعلية و لتحقيق التوازن بين الأموال المتداولة من خلال البورصات و مضاربتها و بين الأرباح الموزعة على المساهمين الكبار لم يكن أمام الحكومات سوى مزيد من ضخ الأموال المطبوعة بدون غطاء إنتاجى حقيقى فى ظل أستبعاد قانون الغطاء الذهبى للعملة فلم يعد هناك توازن بالمعنى المعروف بين الأموال المطبوعة و حجم التداول السلعى

أثناء الإنتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة خرج علينا "دونالد ترامب" بتصريح يعتبر عودة للمفاهيم القديمة بأنتقاده للاساليب الأقتصادية الحالية و ضرورة العودة للرأسمالية الانتاجية و عدم السماح لخروج الأموال للخارج و دفع الشركات فى الاستثمار داخلياً ، هذا التصريح احدث ضجة كبيرة فى الاوساط الأقتصادية خصوصا و انه تزامن فى نفس الوقت مع مؤتمر دافوس فجاءت تصريحات المجتمعين هناك تنتقد "ترامب" و تصف ما قاله بالكارثة و هذا حقيقى فالعودة إلى النظام القديم سيقلص دور الشركات العالمية و يضعها تحت مقصلة الحكومات المركزية مرة أخرى بعد أن أخذت خلال سنوات عديدة تستثمر فى سياسيين و أقتصاديين و تدفعهم إلى سدة الحكم لتتحرر من سيطرة الحكومات و الرقابة الشعبيةإذا وجدت - ، كذلك عودة تلك المفاهيم معناها سحب عدد كبير من الشركات الكبرى استثماراتها الخارجية خصوصا فى الدول النامية حيث الأجور المنخفضة و الضرائب المعدومة تقريبا و هذا معناه تقليل حجم الأرباح إلى أدنى مستواياتها ، و هذا ما لا تطيقه الرأسمالية فآلية العمل لديها ستختل فجزء أساسى من المنطق الرأسمالى يقوم على مزيد من تراكم رأس المال لا على استهلاكه طمعاً فى مزيد من الأستثمارات لتخفيض تكلفة الانتاج من خلال الدفع بأتمتة العملية الانتاجية و التخلص من أكبر قدر من العمالة البشرية المكلفة ليس فقط على المستوى المالى و لكن على المستوى السياسى أيضا فهى لا تستطيع العمل فى وجود تجمعات عمالية و نقابات قوية لتعود مرة أخرى إلى صراع داخلى قد ينتهى به الحال إلى أن تفقد سيطرتها على الحكومات و الشعوب ، كذلك فتلك التوجهات التى طرحها "ترامب" ستدفع حكومات الدول التى ستتأثر بسحب الاستثمارات منها إلى العودة مرة أخرى إلى منظومة الاقتصاديات الوطنية و دخول الحكومات العملية الانتاجية و هذا قد يدفع بالتأكيد الكثير من السياسيين فى تلك الدول إلى تبنى سياسات ليست بالتأكيد اشتراكية و لكنها ستكون اقرب إلى الكنزية و هذا سيضع الشركات الرأسمالية الكبيرة فى موضع المنافسة ليس فقط على مستوى جودة المنتج ولكن على مستوى التكلفة الانتاجية فعامل مرونة السعر أقوى من مرونة الجودة خصوصا فى المجتمعات الفقيرة ، كذلك هذا قد يؤدى إلى صعود الشعور الوطنى مرة أخرى إلى السطح لشعوب تم السيطرة عليها إما من خلال نظام حكم فاسد ، أو تفجير للنزعات العنصرية الدينية و الأثنية بين عناصر تلك الشعوب ، فالرأسمالية تعلمت أن الاستعمار العسكرى لن يكون ذو نفع و يؤدى فى أغلب الأحيان إلى توحيد الخلافات بين التيارات السياسية و العرقية و الدينية فى تلك البلاد ، ليستبدله بأستعمار من نوع آخر يلبس فيه أحد ابناء تلك البلدان ثوب الحاكم و لكنه ليس إلا مندوب للأمبريالية يحكم بأسمها و بإرادتها

الجدير بالذكر أن أكبر الرافضين لأقتراحات "ترامب"كانت جمهورية الصين ، فالأقتصاد الصينى أرتبط عضوياً منذ بدايات القرن الحالى بالأقتصاد الأمريكى و الرأسمالية العالمية الجديدة ، فالأستثمارات الصينية بالولايات المتحدة تعدت الـ 3 ترليون دولار ما بين شراء لسندات حكومية أو أستثمارات مباشرة ، كذلك وصل حجم التجارة ما بين الدولتين أكثر من 4٫5 ترليون دولار سنويا تميل فيها الكفة لصالح الصين بشكل كبير و هذا سيؤدى إلى تخفيض حجم البضائع المصدرة منها إلى الولايات المتحدة و بالتالى ستخسر الدولة الصينية أحد أكبر أسواق منتاجاتها فى وقت يعانى الأقتصاد الصينى من تباطوء فى معدلات النمو بشكل كبير بسبب أزمة الركود التى يعيشها العالم اليوم ، فى نفس الوقت تلك التوجهات قد تدفع دول أخرى صغيرة للتوجه ناحية الحماية الأقتصادية للمنتجات المحلية مما يقلص ايضا من حجم السوق بالنسبة للمنتجات الصينية

الصراع العالمى اليوم بات صراع بقاء فلم يعد فى الجعبة الكثير من الحلول فعمليات التطوير التى قادتها الرأسمالية خلال القرن العشرين بداية من سبعينات القرن الماضى بأتمتة العملية الأنتاجية و تقليل حجم العمالة إلى أقصى حد ممكن لتعظيم قيمة الربح وضعها فى مشكلة كبيرة و هى أنخفاض قيمة الاستهلاك بسبب الأنخفاض الشديد الذى حدث فى القوى الشرائية فزيادة معدلات البطالة يتبعها أنخفاض فى الأستهلاك السلعى فنسبة كبيرة من المستهلكين أصبح لا يملك القدرة على الشراء و بما إن الرأسمالية تبحث فقط عن الربح جاءت تحولات الربع الأخير من القرن الماضى بالأتجاه إلى الاقتصاد الورقى للهروب من الأزمة ، أعطى هذا الفرصة لدول مثل الصين و روسيا و الهند أن تعيد إنتاج أقتصادها بشكل مغاير و تأخذ حيز ليس بالقليل بجانب الدول الصناعية التقليدية الكبيرة فى أوروبا و الولايات المتحدة ، لينفجر صراع آخر بين الرأسمالية القديمة التى باتت مساهمتها على المحك فى العملية الانتاجية تقريباً و بين الراسمالية المتكونة حديثاً و هى رأسمالية مغايرة تعتمد بشكل كبير على السيطرة المركزية للدولة على مراكز الأنتاج و بالتالى كان من المفترض أن يكون لديها مرونة أكثر فى التعامل مع الأزمات ، إلا أن الواقع يكشف لنا الكثير من الملابسات ، فإذا أخذنا الصين كمثال ، فعملية دمج الأقتصاد الصينى ضمن آليات السوق الرأسمالى جعلته فى عرضة للتقلبات الرأسمالية و اليوم اضطرت الصين إلى أبطاء معدلات النمو ، و خفض قيمة العملة بسبب أنخفاض الأستهلاك على مستوى العالم ، و عدم قدرة السوق الداخلية لأستيعاب الناتج الصناعى و هذا يوضح لنا أن هناك ثغرة فى نمط الأنتاج و توزيعه داخل الصين فمن المفترض أن السوق الصينية سوق عريضة تستطيع بسهولة أن تستوعب كميات كبيرة من البضائع نظرا للكثافة السكانية العاليةإلا أن ذلك يمكن قوله على الورق فقط لكن الحقيقة أن الصين تعانى بشدة من خلل فى توزيع الثروة ، فالإصلاحات التى تم أجرائها فى الخمسة و عشرين سنة الأخيرة أخلت بمنظومة العدالة فى توزيع الثروة و أخرجت شرائح كبيرة من عبائتها و أتضح ذلك عام 2015 عندما اضطرت الحكومة الصينية إلى ضخ كميات كبيرة من الأموال لتعويض خسائر البورصة لإنعاش الأسواق الراكدة و لتقليل حجم البطالة التى باتت أمرا مقلقا للنظام الحاكم ، هذا بخلاف أزمة الاحتياطى النقدى فبعد أن كان الأحتياطى المقدر عام 2014 بـ 3٫9 ترليون دولار أنخفضت قيمته بمقدار 600 مليار دولار فى نهاية عام 2015 ، تحاول الصين جاهدة الخروج من أزمتها بالأندفاع فى الخارج خاصة بأفريقيا من خلال الدخول فى عمليات مشاركة مع بعض الحكومات الافريقية أولا لتعويض الخسائر التى منى بها الأقتصاد الصينى و الغرض الثانى هو محاولة جذب الأنظمة الحاكمة فى تلك البلدان سياسيا لتكون عونا للصين فى صراعها مع الولايات المتحدة و أوروبا ، كذلك قيامها بتأسيس بنك التنمية الأسيوى و هو جانب آخر من جوانب صراعها مع الرأسمالية التقليدية

أعود للحالة الأمريكية و الأوروبية ، فبعد 2008 أضطرت حكومات تلك الدول لأنقاذ ما يمكن أنقاذه الأنقلاب على المبادئ التى أرستها من قبل بعدم التدخل الحكومى و ترك الأسواق لتصحح نفسها ، إلا إن الأزمة كشفت هراء تلك الفرضية فالأسواق لا تستطيع تصحيح وضعها و إذا ترك الأمر ستزداد العواقب فأجبرت الحكومات على التدخل المباشر بشراء اسهم الشركات و البنوك المنهارة

المشكلة الأخرى التى تواجه الرأسمالية هى الأرتباط العضوى الذى نشأ خلال العشرين سنة الأخيرة بين الرأسمالية النقدية المتمثلة فى البنوك و الرأسمالية الصناعية فهذا الإرتباط أنتج شراكة على مستويات متعددة فالبنوك هى فى الاساس مهمتها عمليات التمويل من خلال الإقراض لكنها لم تكتفى بذلك فدخلت فى عمليات شراكة من خلال البورصات للأستثمار فى الفائض النقدىالوهمى - للبنوك فباتت البنوك دائنة و مدينة فى نفس الوقت بأموال لا توجد فى الحقيقة إلا كارقام فى دفاتر الحسابات ، فلم تعد الحدود بين عمليات التمويل و الإنتاج واضحة و هذا خلق دائرة مغلقة أدت إلى زيادة مخاطر الأزمة الأقتصادية ، فإذا أخذنا ما طرحه الاقتصادى هيمان فليمنك منسكى1 عندما ربط ما بين هشاشة سوق الأوراق المالية و دورة الأقتصاد الرأسمالى ، فهو حاول تفنيد الفقاعة المالية وجد أنه عندما ترتفع ارباح الشركات و تتجاوز الديون فأن هذا لن يحل الأزمة بل سيزيدها تعقيداً ، فالأموال اللازمة لتغطية تلك الأرباح ليست موجودة على أرض الواقع بل هى أموال أفتراضية جاءت أغلبها من خلال مضاربات فى سوق الأوراق المالية و ليست نتيجة عمليات تصنيع فى وقت انخفض فيه الطلب على المنتجات نتيجة للتضخم و زيادة معدلات البطالة و انخفاض الدخول ، و يطرح هيمان الحل عن طريق زيادة الأحتياطى المالى فى البنوك المركزية لتكون الملاذ الأخير فى حالات الأزمة ، إلا أن ما طرحه هيمان لن ينقذ الأقتصاد الرأسمالى بل فقط سيبطئ التفاعل اللازم لعملية الانفجار القادم المحتم

بدأت خلال الفترة الماضية اشارات أطلقها عدد من الأقتصاديين بضرورة العودة للأقتصاد الكنزى إلا أنهم لم يقوموا بطرح حلول للأزمة المتأصلة فى بنية الاقتصاد الرأسمالى فالتحول للأقتصاد الكنزى سيتبعه تحولات سياسية فى غاية الخطورة على الوضع العالمى و ستدخل الدول فى معارك اقتصادية طاحنة كل يحاول الحفاظ على وجوده و قد تتطور تلك النزاعات الأقتصادية إلى حروب عسكرية مباشرة ، كذلك التغيرات التى طرأت على البنية الاقتصادية خلال الخمسة و العشرين سنة الأخيرة لا تسمح بذلك كما حدث فى ثلاثينات القرن الماضى ، فازمة العشرينات تم أنقاذها من خلال الدفع بالنازية و الفاشية و الدخول فى حرب عالمية خسرت فيها الإنسانية 80 مليون إنسان فقط لإعادة دورة الحياة للنظام الرأسمالى فهذا التحول المطروح بالعودة للكنزية محض هراء فكرى لا يمت للواقع على الأرض ، فنظام العولمة الذى فرض قسراً حول الحكومات إلى "بودى جاردات" للكيانات الرأسمالية المتحكم الحقيقى اليوم فى سياسات الدول و ظهر هذا واضحا فى 2014 عندما تم تقديم مشروع قانون فى مجلس الشيوخ الأمريكى لأعادة تنظيم الأقتصاد و لزيادة معدلات التوظيف صحيح تم الموافقة عليه و سمى حينها بقانون "إعادة الوظائف للوطن" و لكن هذا القانون تم تفريغه من محتواه ، فهو أنتهى فقط بمجموعة من المحفزات المالية بتخفيض الضرائب و الرسوم على الشركات لدفعها لمزيد من التوظيف بدون فرض قيود تجارية تدفعها لإعادة عمليات التصنيع إلى داخل الولايات المتحدة مرة أخرى ، و أنتهى القانون إلى الفشل و لم يستطع أن يعيد الوظائف بل زادت معدلات البطالة داخل الولايات المتحدة عما كانت من قبل

لم يعد أمام الرأسمالية من حل إلاالمزيد من استغلال موراد الدول الصغيرة الغنية بالمواد الطبيعية فهى لا تستطيع إعادة إنتاج الحرب العالمية مرة ثانية فالتطور الكبير فى الآلة العسكرية الرأسمالية باتت أكبر بكثير من أن تتحملها البشرية فإذا أنطلقت شراراة حرب عالمية جديدة من المرجح فناء الجنس البشرى فالعالم يقف اليوم فوق حقل ألغام نووية ، فإذا كانت قنبلة هيروشيما قد حصدت خلال ثوان معدودة 140 ألف إنسان ، اليوم يمتلك العالم من أدوات التدمير الحربية ذات تأثير يماثل ما حدث فى هيروشيما مئات المرات ، و الرأسمالية لن تتوانى فى حالة أحساسها بالأنهيار أن تطلق آلتها التدميرية و هى تعلم تماما أن فى تلك اللحظة ستكون النهاية ..
__________________________________
1اقتصادى امريكى ولد فى 23 سبتمبر 1919 و توفى 24 أكتوبر 1996 ، عمل أستاذاً للأقتصاد بجامعة واشنطن ، اشتهر بأبحاثه حول فهم و شرح الأزمات المالية