5 نوفمبر، 2014

الديمقراطية الليبرالية تلفظ أنفاسها الأخيرة

خلال العقدين الأخيرين من عمر البشرية بات الشكل الديمقراطي العجوز في أزمة حادة فبعد أنهيار الكتلة الشرقية و أستشعار النظم الرأسمالية أن الساحة اصبحت خالية لهم لتكشف عن وجهها بكافة ما يمتليه Democracy-Quotes-37من قبح ، فخرجت من قمقمها التي دائما ما كانت تختبئ ورائه بأسم الديمقراطية ، لتصبح مراكز صناعة المال هي المسيطر الحقيقي على السياسيين ليس فقط في الولايات المتحدة و لكن في القارة العجوز أيضا ؛ ظهرت نتائج مجلس النواب الأمريكي و التجديد النصفي لمجلس الشيوخ ليعود الجمهورين سيطرتهم على الحياة السياسية الأمريكية مرة أخرى من خلال استحواذهم على الأغلبية سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ ؛ حجم الأموال التي صرفت في تلك الانتخابات زادت عن الثلاثة مليارات دولار في الوقت التي تعاني فيه الخزانة الأمريكية بعد أن وصل حجم الدين الحكومي لأكثر من 17 تريليون دولار (التريليون 1000 مليار) أي ان الدولة الأمريكية معرضة لأعلان افلاسها في أي وقت و قد ظهر ذلك في أكتوبر من العام الماضي عندما أضطرت الحكومة الفيدرالية إلى إيقاف العمل و وقف صرف الرواتب للموظفين في مشهد مثير للشفقة , 16 يوماً توقف العمل تماماً في المؤسسات الفيدرالية و لم تحل المشكلة إلا بعـد صفقة مريبة بين الحزبين المسيطرين على المسرح السياسي الأمريكي ، ليعود الموظفين إلى أعمالهم لتستمر الحكومة في دفع رواتبهم ، و لكن تلك الصفقة كانت في غير صالح المواطن الأمريكي العادي الذي دفع الثمن من خلال رفع سقف الدين الحكومي مما يزيد العبء عليه في زيادة معدل التضخم و بالتالي زيادة في معدلات الأسعار و انخفاض في الأنفاق الحكومي سواء على مستوى الخدمات الصحية و التعليمية ...
143754_600 خلال الحملة الانتخابية ظهرت مشكلة المال السياسي ، كانت القوانين الأمريكية حتى منتصف التسعينات تمنع الشركات من تقديم تبرعات للمرشحين ، و لكن المحكمة الدستورية العاليا و التي يسيطر عليها قضاة ينتمون فكرياً للحزب الجمهوري في قضية شهيرة ألغوا هذا القانون بحجة نه يعارض مبادىء الحريات الأساسية في الدستور الأمريكي ، كما سمح - هذا الحكم - بأن تقوم شركات او أفراد بالتبرع لمرشحين خارج دائرة ولاياتهم مما مكن الشركات من أحكام سيطرتهاعلى النواب من خلال تبرعات بمئات الملايين ، هذا المال السياسي أعطى الفرصة للحزب الجمهوري للعودة مرة أخرى للسيطرة على المجالس التشريعية مما يهدد منظومة قوانين الرعاية الأجتماعية و الصحية التي استطاع "اوباما" خلال فترته الرئاسية و بالتعاون مع حزبه أن يطلقوها التي حاولوا من خلالها تقديم بعض المساعدات للمواطن البسيط ، لكن الغريب في الأمر أن نفس هذا الناخب لم يعطي أصواته لمن ساعده بل ساهم في اسقاطه ، مما يجعلنا نتسائل لماذا يعطي الناس أصواتهم لمن سيأخذ منهم حقوقهم ؟ ! ، فالحزب الجمهوري ضد قوانين الرعاية الصحية و الاجتماعية ، بل أنه ضد أعطاء حق الانتخاب لكل الناس ، ففي خلال الفترة الأخيرة و خصوصا من مؤيدي حركة حزب الشاي طالبوا أن يقتصر حق الانتخاب على دافعي الضرائب فقط ، و منهم من طالب أن تحتسب الأصوات بقدر ما يدفعه الفرد من ضرائب ، اي أن من يدفع مثلا عشرة آلاف دولار صوته يحتسب بعشرة اصوات ، و من يدفع الف دولار يحتسب بصوت واحد ، تلك هي الليبرالية تكشف عن زيفها الطبقي العنصري ، أعود للسؤال لما يعطي الناس اصواتهم لمن سيزيد من بؤسهم ؟ ، أنها الدعاية و الأموال التي أنفقت ببذخ بالغ للتأثير على قرار الناخب.
إن العالم حالياً لا يعيش فقط أزمة أقتصادية عالمية بل أنه يعيش أزمة رؤى سياسية ، فالنظام الأقتصادي الرأسمالي ليس لديه حلول لمشاكله الاقتصادية ، و الديمقراطيات الليبرالية الحزبية أظهرت ضعفها و استسلامها لرأس المال و أنها باتت عجوز رسمت ملامح الزمن على وجهها الكثير من الندوب و التشوهات ، يحدثنا بعض المحللين السياسيين في محاولة لأنقاذ تلك المرأة العجوز في أختصار المشكلة في أنها ازمة قيم فقط متجاهلين الخلل الرئيسي في المنظومة ، و هو النظام الأقتصادي التي تقوم عليه الليبرالية بشكلها العام ، فهي تستند على الرأسمالية سواء في الشكل أو المضمون ، في نفس الوقت يحاول بعض المثاليين أن يعطونا حلول بأبعاد رأس المال عن السياسة من خلال منظومة قانونية ، و لكن من خلال التجارب العملية هل وقف القانون حائلا أمام رأس المال ، فالطرق التي ينفذ منها عديدة و هو يبتكر يوميا طرق جديدة بعيد عن اي منظومة قانونية تحاول أن تكبل وجوده ...
2524_ee81_720 اليوم و نحن على أعتاب جولة أنتخابية ، أعرف ان الكثير يعولون عليها أن تصلح ما تم أفساده ، و لكن الواقع سيكون أكثر إيلاما عليهم ، فالمجلس التشريعي القادم في مصر سيكون منقسم ما بين تيارين أولهم رأسمالي شديد التطرف ظهر ذلك واضحا بعد 30 يونية و الثاني تيار ديني رجعي يستخدم بجانب المال خطاب ديني أستطاع على مدى اربعين عاما منذ سبعينات القرن الماضي أن يسيطر على فكر شريحة كبيرة من المجتمع المصري ، التيارين يتفقون في المبادىء الاقتصادية ، فالأول يريد المزيد من الأموال و بالتالي مزيد من القوة ، و الثاني يطمح بقوة في أخراج الدولة نهائيا من المنظومة الاقتصادية ليأخذ مكانها و يصبح هو الأكثر سيطرة على الشارع ، و الغريب أن النظام الحاكم بعد 30 يونية يجري بخطوات سريعة لأخراج الدولة من دورها الحقيقي و خصخصة كل الشركات الباقية ، حتى الخدمات العامة الصحية و الاجتماعية و التعليمية قل الأنفاق الحكومي عليها ، و الحجة أن الحكومة ليس لديها المال الكافي لذلك في الوقت الذي تتقاعس فيه نفس الحكومة عن استعادة حقوق الشعب و التي ستوفر لها الأموال اللازمة ، بل أنها عادت لنفس المنظومة التي ثار الشعب عليها في 25 يناير من بيع لأراضي الدولة و تدمير لقوتها الأقتصادية كذلك فتح الباب على مصراعيه لصندوق النقد و البنك الدولي ، بالرغم أن تلك المنظمتين معروفين بسمعتهما السيئة و كلما دخلوا دولة أنهوا على أقتصادها بالكامل ، و هناك دول أعلنت صراحة انها لن تتعامل معهم مثال على ذلك الأرجنتين و البرازيل اللذين أمتنعوا من سنوات عن قبول أي قروض ، و اليوم تلك الدولتين أستطاعتا أن تتعافى اقتصاديا ربما ليس بالشكل الكافي و لكن موقفهم أفضل بكثير من موقفنا المزري ...
أوضحت لنا التجربة العملية أن الليبرالية ليست إلا وهما مثاليا في عقول البعض ، أو فرصة ذهبية للمنافقين و المتاجرين بحقوق المواطنين للوصول إلى مبتغاهم ، يجب على القارىء أن يسأل نفسه سؤال في غاية البساطة ، ماذا أعطت لنا الديمقراطية ؟ و يحاول الأجابة و لن يجد ، بل أخذت منه كل شىء و لم يتبقى له إلا الفتات ليبقى ذليل لرأس المال