11 يناير، 2013

ثورة مرتبكة

خلال أتون الثورة المصرية في 2011 نادى العديد من الثوريين و أنا كنت منهم للأسف الشديد بمدنية الدولة و لكن في وسط خضم هذا الحماس كنت أحيانا أقف مرتبكاً ما هي الدولة المدنية التي أريدها هل دولة فقط لا يحكمها شخص يرتدي البدلة العسكرية و لكن إذا جاء هذا الشخص من خلال انتخابات ديمقراطية و نزيهة هل أرفضه فقط لانه تاريخه كان عسكري و في نفس الوقت أنكر مدنية مؤسسات الدولة القائمة بالفعل منذ القرن الثامن عشر ، و خلال التاريخ الإنساني الحديث هناك من كان يرتدي البدلة العسكرية و ترأس بلاد ديمقراطية مثل الولايات المتحدة و على راس هؤلاء دوايت ايزنهاور الذي كان قائداً لجيوش الحلفاء في أوروبا ، و آخر الرؤساء الذين لهم خلفية عسكرية جورج بوش الأب الذي كان طيارا في الجيش الأمريكي ثم بعد ذلك تقلد منصب مدير المخابرات المركزية الأمريكية ثم أنتقل لعالم السياسية ليصل إلى منصب رئيس الجمهورية ...

1 في بدايات الثورة المصرية طرح النموذج التركي للحفاظ على مدنية الدولة و أن يكون الجيش حامي لها ، ولكن تلك الفكرة لم تلقى رواجاً بين الثوار و النخبة السياسية سواء العلمانية منها أو الدينية و كان لكل منهم اسبابه فالليبراليين كانوا يرون في المؤسسة العسكرية عائق استمر 60 عاما لتطبيق الديمقراطية بمعناها الحقيقي ، و في المقابل رفض الاسلاميين ذلك النموذج طمعا في الانفراد بالحكم و ايدوا الليبراليين وقتها في مكيافلية سياسية أعتقد أنها يمكن ان تدرس في المعاهد السياسية المتخصصة ...

خلال الفترة الماضية كنت عاكف على إعادة لقراءة التاريخ المصري في محاولة للوصول إلى نقطة تؤكد عسكرة الدولة بالشكل الذي كنا نتوهمه بعد سقوط نظام مبارك الذي لم يكن نظاما عسكريا بل كان نظاما فاسدا بامتياز بعيد كل البعد عن أشكال عسكرة الدولة التي كان الكثيرين من الثوار يروجون لها و ساعدهم على ذلك التقديرات و القرارات الخاطئة التي اقرها المجلس العسكري بداية من تشكيل لجنة تعديل المواد الدستورية مرورا بحادث ماسبيرو و أخيرا تجاهلهم لكثير من المطالب الثورية ، لكن في وسط كل ذلك سقط من تفكير الثوار في تلك اللحظة أن المؤسسة العسكرية فشلت في التواصل معكم بسبب الحماسة الزائدة في رفض تدخل المؤسسة في المرحلة الانتقالية بالرغم من انها في تلك الفترة كانت الأكثر قدرة على الحفاظ على مدنية الدولة إذا استطاع الثوار أن يتعاملوا بشكل به بعض البراجماتية السياسية و التي لن تكون عيباً لتؤكد قاعدة أن مثالية و رومانسية الثورات لا تصنع دول و لكنها تفتح الباب لسارقي الثورات ان يصعدوا إلى سدة الحكم فهم أكثر واقعية في تعاملاتهم و في سياستهم ...

خلال تاريخ مصر منذ "مينا" موحد القطرين حتى حكم الرئيس السابق مبارك كان للمؤسسة العسكرية دورها الواضح و الملموس في الحياة السياسية و الاجتماعية و حتى الاقتصادية ، و من الصعب أن نأتي و "نهتف يسقط يسقط حكم العسكر " لنسقط معه تاريخ استمر على مدار قرون و أصبح جزء لا يتجزأ من حياته و لكن هل تحولت الدولة المصرية إلى عسكرة كاملة و سنأخذ ما حدث في مصر بعد ثورة يوليو 52 ...

بالرغم من قيام مجموعة من شباب الجيش بالانقلاب على المؤسسة الحاكمة في تلك الفترة و هي القصر الملكي و أجبار الملك على التنازل عن عرشه و اسقطت الثورة في تلك الفترة الحكومة و شكلت حكومة انتقالية رأسها مدني و هو علي باشا ماهر ، و لكن حتى بعد ذلك عندما تولى محمد نجيب رئاسة الوزراء لم يقم بعسكرة مؤسسات الدولة بالشكل الذي يراه ، ربما أحتفظ الثوار بالشكل العسكري لهم في بداية الثورة 2بتمسكهم بالظهور بالزي العسكري ، و لكن ذلك أنتهى بعد أن وضعت الثورة أقدامها على أرض ثابتة و بدأت الدولة تنتقل إلى شكل مدني خالص بدأ من عام 55 ...

ربما البعض مازالت به بعض الحماسة التي كنا عليها في الماضي القريب و مازال داخله بعض المرارة مما حدث من سقطات خلال ثورة يناير من اعتداء على الثوار و أحالة بعضهم للمحاكمات العسكرية ، و لكن لم يسأل أحد نفسه من الذي بدأ كل ذلك ، هل كانت تلك المؤسسة التي كنا نظن أنها تريد عودة النظام القديم مرة أخرى و تعمل على ذلك أم نحن اللذين هتفنا مع أول صدام صغير "يسقط حكم العسكر" ...

أعلم تماما أن الكثير منهم سيظل على رأيه و سيكابر مهما حدث أمامه من تحولات ستقضي تماما على ثورته ، فاليوم يضع عدد من الثوار و المنادين بدولة ديمقراطية حديثة على الانتخابات البرلمانية القادمة لتعديل المواد الدستورية التي حولت مصر من دولة مدنية إلى دولة دينية مذهبية طائفية باقتدار ، متناسين أن عليهم الحصول على أغلبية مجلس النواب على الأقل الثلثيين ثم بعد ذلك عليهم ان يستميلوا على الأقل ربع مجلس الشورى ليتم أقرار التعديلات و طرحها للاستفتاء ... لا تغضبوا أنها أوهام مثالية ...

أعذروني أنا لا اقصد الإحباط ولكنها الرؤية الواقعية فأذا استطاع التيار الديني أن يؤكد سيطرته السياسية بالحصول على أغلبية ترجح له إصدار قوانين ستكون الطامة الكبرى ربما قد تحول كل شئ إلى النقيض ، هل سنظل نهتف نفس هتافاتنا القديمة ... هل سيظل التيار المدني لا وجود له إلا في المدن الكبرى بين المناطق الريفية و الحدودية لا تزال تعيش غياهب العصور السحيقة في عصر الأقمار الصناعية ، هل عرفتم ما هو السبب في أبتعاد الكثير من الناس عنكم ، اسألوا أنفسكم و حاولوا الوصول إلى إجابة حقيقية و لا تستبعدوا الإجابات التي لا ترضيكم حاولوا أن تكونوا صادقين مع أنفسكم و لو مرة واحدة ...

"ثورة حتى النصــر"