26 أكتوبر، 2011

الثورة رايحة فين !

مرت ثمانية اشهر على قيام ثورة 25 يناير ،  و لم يشعر عبد القادر هذا الشاب الفقير الجميل الذي وقف يوم 28 مضحيا بنفسه للحفاظ على الثورة حتى أصيب أصابات بالغة في رأسه نتيجة لقذف الحجارة ، لم يحاول أن يتاجر بأصابته أو يطلب العلاج المجاني بل تحمل كل ذلك رغم دخله المحدود فهو يعمل في أحد المدارس الحكومية سكرتير إداري بها مرتبه لا يتجاوز بضعة مئات صغيرة ، و لولا أنه و زوجته المدرسة يعملون بشكل غير شرعي  في أحد مراكز الدروس الخصوصية ما أستطاعوا الحياة ، قابلته بالمصادفة في وسط البلد كان لقاءنا حار فقد مرت شهور عديدة منذ آخر مرة تلاقيت به ، تركت كل شىء كنت مرتبط به في ذلك اليوم و جلسنا معا على مقهى البستان لمدة ثلاث ساعات نستعيد الأيام الخوالي و نتحدث عن القادم ...
Protests-in-Cairo-012 كلماته الحزينة تشعر معها أن أحلامه و طموحاته للتغير قد تبددت ، ثقافته التاريخية و السياسية تبهرني فقد اخذ يقارن بين الثورة في مصر و الثورة في تونس و الاجراءات التي أتخذت ، و الأخطاء التي نعاني منها اليوم ، ثم أخذ يقارن بين ثورة 52 و اليوم و كيف كانت القرارات حينها أكثر سرعة و أقتراب من الناس في الشارع بدأ من قانون الاصلاح الزراعي الذي صدر بعد 6 شهور فقط من بداية الثورة ، و كيف كانت الثورة تقف مع رجل الشارع الفقير ضـد الاستغلال ، قلت له واضح أنك ناصري عتيد ، نظر إللى قائلا يعني أيه ناصري !
استرسل عبد القادر في مقارنه بين الثورة في مصر و تونس من ناحية ، و ثورة اليوم و ثورة الامس من ناحية أخرى ، و هو يشعر بمرارة خانقة مما يحدث في الثورة التي تحولت لصراعات أنتخابية بلا هدف محدد فالرؤى متباينة و متضادة مع بعضها البعض لا يوجد وحدة هدف ، بل أهداف متعددة كل منها تبحث عن أحلام و طموحات تعبر عن تيارات أو أشخاص لتتوارى مصالح المطحونين في الشارع ، فأضواء أجهزة الإعلام و كاميرات التلفزيون أعمت الكثير من الثوار ، و أخذوا يتكالبون للظهور أمامها ، في نفس الوقت يتحرك فلول الحزب الوطني و التيارات الدينية بقوة في الخلفية ، ففي منطقتي عاد رجال الحزب المنحل مرة أخرى و أنصارهم استطاعوا أن يستعيدوا مكانتهم في الشارع بالرغم من كل ما يقال في أجهزة الإعلام عن الفلول و فسادهم و لكن الناس تشعر أنه لن يحدث تغيير و أن حقوقهم ستضيع ، قلت له لكن الحركات العمالية و الاحتجاجات مازالت مستمرة و هذا معناه أن الثورة مازالت مستمرة , و انها لن تتوقف ...
ضحك عبد القادر و أخذ نفسا طويلا من شيشته و قال الكل يعرف جيدا أن الاصلاحات الحقيقية لن تحدث فكل الفئات من عمال أو موظفين أو مهنيين يحاولون بكل السبل الخروج بأكبر قدر من المكاسب طالما أن رؤوس الفساد مازالوا جالسين على الكراسي و يهنئون بمرتبات غير طبيعية و عندك أكبر مثال في وزارة التعليم هناك مستشارين و مسئولين يتجاوز مرتباتهم الربع مليون جنيه شهريا ، في وقت لا يزيد راتب المدرس عن 500 جنيه ، فالثورة للأسف الشديد تفتقد القيادة و الرؤية الواضحة لتتحول لصراع على مكاسب حزبية و فردية و في المقابل تتوارى مطالب من عانوا على مدار أربعين عاما من القهر و المذلة
جلست أمامه و أنا حائر ... هل يمكن أن يصل بنا اليأس إلى هذا الحـد ، هذا الأنسان الرائع الذي أعتبره أحد الأبطال المنسيين أصبحت الثورة بالنسبة له حلم جميل عاشه ولكنه فشل في تحقيقه على أرض الواقع
أستكمل صديقي المحبط كلماته ليتحدث عن قيادات الأخوان ، منذ يومين تقريبا ظهر أحدهم على شاشة التلفزيون في أحد البرامج الصباحية يتحدث عن الرؤيا الاقتصادية القادمة شعرت كأني أستمع لاحـد المسئولين في حكومة مبارك المخلوع و هو يتحدث عن رجال الأعمال و أن الدولة ستستمر في طريقها لتشجيعهم و ان ما تم بيعه أنتهى ، و لم يمر على كلامه يوم واحد حتى خرج علينا أحد وزارء الحكومة الحالية بتصريح بعد لقاءه بمدير شركة بيبسي التي بيعت بالبخس وهو يؤكد له ان الدولة ستقف بجانبه ليزيد من الاستثمارات كأن عملية السرقة لم تحدث ، محاكمة مبارك تسير ببطء السلحفاة ، قتلة الثوار مازالوا ينعمون بالحرية
بصراحة حسيت أن القادم صعب و الثورة فعلا في حاجة إلى ثورة لتصحيح المسار ...