21 يونيو، 2011

أوهام البورجوازية الصغيرة و الثــورة

خلال الفترة الأخيرة تكاثرت تحليلات التيار اليميني الرأسمالي و معه التيار التيار الديني كما تتكاثر البكتريا العقيمة وحيدة الخلية حول شعار العدالة الاجتماعية ، ليتوه العامة بين الفاظ جذلة عالية الجودة براقة ، مرة باسم الحرية و مرة باسم الدين ، و لكن في النهاية لم يحاول أي من التيارين أن يشرح للعامة آلياته لتحقيق تلك العدالة المنشودة ، للأسف الشديد رؤية كل من الاتجاهين لا تزيد عن رؤية اي برجوازي صغير ينظر للأحداث بوجهة نظر إصلاحية بعيدة كل البعد عن الرؤية الثورية الحقيقية لتحقيق واحدة من أهم مطالب الثورة و هي العدالة الاجتماعية

يتزامن مع ذلك خبر نشر على بوابة الأهرام الاليكترونية بتوصية لمؤتمر الغرف التجارية بوضع دستور اقتصادي قبل الدستور السياسي ، في محاولة منهم لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه و المحافظة على ما اكتسبوه من مكاسب قبل الثورة ، و من بين الأفكار التي أخرجها علينا هؤلاء السادة أصحاب رؤوس الأموال في مصر ان تطبيق سياسة الحد الأدنى للأجور سيترتب عليها زيادة معدلات البطالة في مصر ، كأن الثورة لم تقم من الأساس

في وسط كل ذلك يخرج علينا بعض الشباب المحسوبين على الثورة يؤيد تلك التوصيات متوهمين أن الحل هو في أيدي من سرقهم قبل الثورة ، أنها أوهام ذلك البورجوازي الصغير الحالم بأن يترقى من الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة لشريحة اعلى و ربما يصل إلى أن يكون برجوازي كبير يمتلك من المال ما يغنيه من مذلة الفقر و التبعية

الثورة الآن في مهب الريح تتجاذبها أوهام الديمقراطية البورجوازية الشكلية فهي لم و لن تحاول الدخول في تفاصيل معالجة أهم مشكلات المجتمع المصري و هي في أغلبها اقتصادية تسبب فيها غياب دور الدولة الاقتصادي لتترك الشعب بين سندان الفساد و مطرقة الجهل.

الراسمالية و العمال للأسف الشديد اليوم و مع مرور الوقت أصبح يسيطر على الهالة الإعلامية للثورة مجموعة من الشباب ينتمي أغلبهم إلى تلك الطبقة الحالمة ثائرون في كلماتهم ، حالمون في أفعالهم ، لم نرى تحرك حقيقي على أرض الواقع يفرض تغيرات حقيقية يتم من خلالها تنفيذ المطالب التي بدأت بها الثورة ، فالبرجوازية الصغيرة الحالمة بطبيعتها لا تريد الدخول في صراعات طبقية ، ترفض أن يفرض اي حزب أو تنظيم صراع من ذلك النوع سيدخلها في صراع أكثر حسما و عنفا و هو الصراع على أجهزة الدولة ، فينفرط حلم تلك الطبقة و تصبح أحلامها في مهب المقارنة العملية بين أوهام تنشرها بين العامة عن استثمارات ستعيد الأوضاع إلى نصابها الصحيح ، و القوى الرأسمالية المتحكم الحقيقي في اللعبة السياسية و التي لن تسمح بأن تنتقص من مكاسبها و من ناحية أخرى بين المطالب الشعبية الحقيقية و هي العدالة الاجتماعية

و على الجانب الآخر يقف التيار الإسلامي بخطابه الديني القوي ، إلا أنه يرفض في الدخول في تفاصيل الحلول ، فإذا أخذنا برنامج "حزب النور" سلفي التوجه كمثال للتيار الإسلامي فنجد أن برنامجه تكون من 43 صفحة في سبعة ابواب ، في أغلبها لم تختلف كثيرا عن ما يسطر في مواقعهم أو ما يقال في أحاديثهم ، و لكن الذي كان أكثر جذبا لي هو البرنامج الاقتصادي و الاجتماعي و الذي أحتل الباب الثالث ، لم يخرج عن ما يمكن أن تقرأه في برنامج اي حزب سوى الجزء الخاص بالمعاملات البنكية ، حيث أقترح البرنامج تعديل القوانين البنكية من خلال التخلص من الفوائد الربوية و التوسع في التمويل على أساس المشاركة في الأرباح و الإنتاج ، كذلك تفعيل قانون الاحتكارات ...

الجزء الاقتصادي كما قلت من قبل لا يخرج عما يمكن أن تقرأه في أي برنامج اقتصادي لأي حزب ما عدا الجزء الخاص بالبنوك و تعديل قوانين التعامل معها ، و هي جزئية في غاية الصعوبة في التطبيق نظرا للارتباطات العالمية في المجالات البنكية و ربطها بالبورصة و هي قائمة على مجموعة معقدة من المقاصات البنكية المعتمدة اساسا على الفوائد الربحية ، فهي أقرب للخيال منها للواقع لأن حتى التجربة الماليزية التي يتشدقون بها لم تستطع أن تتخلى عن التعاملات البنكية العالمية بشكل كامل ولكنها تطبق ذلك بشكل جزئي كما هو معمول به في مصر حاليا ، اما عن قوانين الاحتكارات فهي متفق عليها بين أغلب التيارات السياسية ما عدا بعض التيارات اليمينية الرأسمالية المتطرفة ...

و عند التوقف أمام البرنامج الاجتماعي لم يخرج عن كلمات عامة بلا آليات ماعدا الجزئية الخاصة بالتأمينات الصحية بذكر ضرورة التوسع في مظلة التأمين الصحي ثم توقف البرنامج عند تلك النقطة و لم يحاول سوى الإشارة إلى المشكلات الاجتماعية الأخرى التي يعاني منها المجتمع المصري مثل العنوسة و العنف و الاغتراب و التعليم و البطالة فقط بكلمات عامة بدون توضيح أية آليات لحل أيا منها

نخرج من ذلك أنه حتى تلك اللحظة لم تستطع التيارات السياسية أن تضع آليات محددة لتصحيح الأوضاع قبل أن تنقلب الطاولة لتنفجر ثورة أخرى على الثورة