5 مايو، 2011

أوهام الرأسمالية و حقيقتها المرة

 

خلال الثلاثين عام الأخيرة صدعت رؤوسنا من خلال و سائل الإعلام و بعض الموهومين ، بمزايا النظام الرأسمالي والسوق الحرة ، و أنه يجب علينا جذب مزيد من الاستثمارات الخارجية لتسريع عجلة التقدم و التطور ، و لكن على أرض الواقع لم نرى أي شيء من ذلك ، فخلال الفترة السابقة تسابق الرأسماليين في الاستثمار في مصر ، و بالفعل أرتفع معدل التنمية إلى 7٪ و يعتبر معدل مرتفع ، لكن في الحقيقة هو ارتفاع مخادع ففي نفس الوقت نرى التالي : -

1- تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الصافي من 4.9% من عام 1975 ــ 1980 إلي 2.6% من 2001 ــ 2004 ، و تراجع أكثر في الفترة ما بين 2005 – 2010 إلى 0.79٪

2- أما عن البطالة فحدث و لا حرج ازداد المعدل في 1981 ــ 1982 إلي أكثر من ضعف مستواه في 1975 من 5.2% إلي 15% ثم تضاعف مرة أخري في 2004/2003 بالقياس إلي مستواه في 1981 ــ1982 من 15% إلي 28% و على ذلك فقد أصبح معدل البطالة في نهاية ثلاثة عقود من سياسات التنمية الرأسمالية أربعة أضعاف ما كان عليه منذ بدايتها

3- زيادة نسبة الفقراء إلى جملة السكان لتصل النسبة إلى 26.42% في عام 2000/1999 ، أما اليوم فهي وصلت إلى 43.6٪ من إجمالي السكان

4- أما عن الدين العام الخارجي فقط فكان في نهاية عام 71 2.1 مليار دولار ، ثم ارتفع إلى 37.8 مليار دولار مع نهاية عام 81 ، و مع نهاية عام 2010 أنخفض الدين الخارجي بنسبة قليلة وصلت إلى 32.8 مليار دولار ، لكن في نفس الوقت أرتفع معدل الدين الداخلي إلى 985 مليار جنيه أي حوالي 179 مليار دولار – على اساس أن سعر الدولار في نهاية 2010 كان 5.5 جنيه – اليوم زاد معدل الدين الخارجي حسب آخر الأرقام المنشورة من البنك المركزي بنسبة 2.2 مليار دولار ، لكن آخر الأخبار تؤكد طلب السيد سمير رضوان قرض من البنك الدولي وصل إلى 6 مليار دولار لتلبية طلبات الاحتجاجات الفئوية

نلاحظ من الأرقام الواردة أن بالرغم من النسبة التي تعتبر مقبولة نوعا ما خلال الفترة ما بين 75/81 4.9٪ إلا أنه استطاع توفير التعليم والعلاج والثقافة والسكن شبه المجاني إلى المواطن المصري و أن يعيش و يعمل في مجتمع منتج ، و ليس مجتمع استهلاكي ، و كنا نفتخر بصناعتنا الوطنية التي كانت منتشرة في كل أنحاء العالم و اتذكر هنا قصة طريفة حدثت لي خلال زيارة لي للاتحاد السوفيتي عام 1988 و كنت وقتها مازلت طالبا جامعيا ، دعبت لحضور مؤتمر الشباب التقدمي و كان هناك محاضر روسي يلبس ملابس في غاية الأناقة ، و عندما التقيت به بعد القاءه للمحاضرة و تعرفه بي و عرف أني من مصر كان حريص أن يقول لي أن ملابسه تلك صناعة مصرية من مصانع غزل المحلة

لكن السؤال الأهم من السبب في كل ذلك و من تسبب في كل تلك الانهيارات ، الإجابة بسيطة هو ارتماء مصر في أحضان الإدارة الأمريكية و موافقتها على شروط البنك الدولي و حليفه الأخر صندوق النقد الدولي ، التي لم تكن في أي يوم من الايام لصالح الشعوب بل هي دائما في صالح الكيانات الرأسمالية الكبيرة ، فنجد مثلا فرض البنك على مصر تطبيق ما عرف وقتها في منتصف الثمانينات بسياسة الاصلاح الاقتصادي و التي تنص على إعمال اقتصاد السوق ، و فرض اتفاقية الجات الشهيرة و التي من اهم شروطها تصفية أي هيئة أو تنظيم من جانب الدولة ، و التحرير الأكمل بأسرع ما يمكن لكل الأسواق الثروات ، رؤوس الأموال ، الخدمات ، البراءات ، للوصول إلى حكم كونى بلا دولة ، و سوق عالمي موحد ومنظم ذاتياً ، و سمي هذا الاتفاق باسم Washington Consensus أو توافقية واشنطن و من أهم رجال تلك الاتفاقية هم التالي أسمائهم

John Williamson نائب رئيس البك الدولي

Alan Greenspan رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي

Barber Conable رئيس البنك الدولي في الفترة ما بين 1986/1991

كانت أهم الخطوات هي تخفيض الضرائب على الأغنياء و في المقابل ستكون الزيادة على الفقراء ، تصفية القطاع العام في الدول النامية لتعزيز مبادئ الاقتصاد الحر ، منع دول العالم الثالث من دعم السلع خصوصا السلع الغذائية ، زيادة المصروفات في مجال البنية التحتية المخصصة لخدمة المستثمرين ، و في مقابل ذلك تخفيض المصروف على التعليم و الصحة و الاسكان و اي خدمة تكون موجهة للفقراء أو لباقي أفراد الشعب.

و اليوم و بعد ثورة 25 يناير ، و التي كان من اهم مبادئها العدالة الاجتماعية مازلنا نتوسل للبنك الدولي و نوافق على شروطه المجحفة في حق أكثر من 85٪ من الشعب المصري و نتحدث بنفس اللغة و نفس الشعارات ، الغريب في الأمر أن كثير من المحتجين يتحدثون عن وضع أحد أدنى للأجور و لا نسمع عن وضع حد أعلى في وقت تتزايد فيه معدلات التضخم بشكل غير عادي في الفترة الأخيرة ، و كلما تأخرنا في الإصلاح بشكل حقيقي بدون الاعتماد على قروض أو استثمارات خارجية سيظل معدل التضخم مرتفع بل سيتطور الأمر لتحدث ثورة على الثورة و لكن من يدريك كيف ستكون الثورة القادمة !