22 مارس، 2011

الأرض لنا و انت أخي ... لماذا إذا تخاصمني !

لم يتوقع أكثر المتفائلين أن يكون الاقبال على الاستفتاء بهذا الشكل ، طوابير بلغت عشرات الأمتار خارج اللجان المخصصة للاستفتاء ، لتجذر أهم مكاسب الثورة و هو عودة الوعي السياسي مرة اخرى لهذا الشعب المقهور منذ أكثر من ثلاثين عام و ادراكه ان مشاركته السياسية سوف يكون لها تأثير على مستقبل البلاد و بالتالي مستقبله على المستوى الفردي.

سيدات و أطفال ، شباب و شيوخ ، الكل حرص على التواجد مبكرا للإدلاء بصوته لم يقف المرض أو الإعاقة حائلا ، الابتسامة على الوجوه ، و لم لا فنحن نحتفل بأبهى و أجمل عروس على الإطلاق ، لم يشوه تلك اللوحة الجميلة سوى تجاوزات من استخدام الدين كفزاعة لرفض التعديلات الدستورية ، و رفع شعار التصويت بنعم للمحافظة على هوية الدولة الإسلامية ، نغمة شاذة في وسط هذا العرس ، و على الجانب الآخر تم حشد إخواننا المسيحيين لرفض التعديلات الدستورية ، فضلا عن الحركات السياسية ذات الطابع المدني ، جعلت البعض في حالة تخوف من القادم ، فإقصاء آراء الآخرين باسم الدين و استخدام المساجد للترويج لرأي محدد في وقت يعاني فيه المجتمع المصري من غياب الثقافة السياسية الحقيقية ، و ابتلائه بنسبة امية تصل إلى 40٪ من إجمالي الشعب ، فضلا عن الطبيعة الدينية التي يمتاز بها اثرت على المفاهيم العامة للتعديلات فأفرغتها من محتواها الحقيقي فبدلا من أن تكون خطوة نحو الديمقراطية ، باتت استفتاء على اسلامية الدولة و شعبها ، و اصبحت الدعوات للحرية و الديمقراطية في مهب الريح قد تعصف بنا بعيدا عن المسار الصحيح لنقع في مستنقع الطائفية ، فالتجارب التي نراها في دول مجاورة تعيش اليوم مآسي الطائفية تجعل ايدينا على قلوبنا من القادم هل ستستمر حالة الإقصاء باسم الدين في العملية السياسية هي الأساس ، هل ستصبح بيوت الله جزء من المعركة السياسية القادمة ، أسئلة كثيرة تدور في العقول.

خلال الفترة الأولى للثورة كان الكل يقف قلب واحد لا فرق بين مسلم و مسيحي ، تجاوزت كل المفاهيم الضيقة فالهدف كان واضحا و حالة التوحد للوصول للهدف جعلتنا نقفز فوق كل الاختلافات الدينية و الفكرية ، المسلم يضع يده في يد المسيحي ، فلا فرق بيننا ، فهل يعود بنا الاستفتاء الأخير إلى المربع صفر مرة أخرى ؛ الكنيسة تحشد مناصريها في طريق ، و الجوامع تحشد في الاتجاه المعاكس.
كل هذا يضعنا أمام طبيعة الثورة المصرية التي جاءت تلقائية شعبية في المقام الأول فلم يكن لها برنامج واضح بل كانت الأهداف تتغير حسب تتطورات الموقف يوما بعد يوم ، فبدءا بمطالب بالإصلاح انتهاء بإسقاط النظام ، لم يكن هناك خريطة واضحة المعالم ، بالرغم من رفع شعارات مثل ” مدنية “ ، كان لها الغلبة إلا ان كل ذلك ذاب و اختفى وسط الأحداث الأخيرة.

أنا لا أنتقد من قال لا و لا أثني على من قال نعم و لكني أتحدث عن القادم ، فالمؤشرات خطيرة و المخاوف كثيرة تؤرق كل الحالمين بدولة ديمقراطية ، جعلتني أتذكر الرائعة فيروز و هي تتغنى بكلمات الشاعر العربي الجميل جبران خليل جبران ” الأرض لكم “ و هو يقول : ” الأرض لنا و أنت أخي ... لماذا إذا تخاصمني “

نشرت بجريدة الأسبوع الجمعة 25/3/2011