15 سبتمبر، 2010

إلى أين نحن ذاهبون ؟ ( 1 )

خلال الست سنوات الأخيرة تشهد مصر صراع سياسي بين قوى المعارضة و المجموعة الحاكمة خصوصا بعـد أن تزايدت الأزمات الاجتماعية نتيجة لممارسات اقتصادية خاطئة أثرت على التركيبة الأساسية للمجتمع المصري فنتج عنه انهيار في التركيبة الاجتماعية للمجتمع المصري.

منذ عام 1974 و إطلاق السادات ما عرف وقتها باسم ورقة أكتوبر و التي تبعها إطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي و التي كان من المفترض ان تعيد معدل التنمية في مصر إلى ما كان عليه قبل 1967 و الذي وصل فيه إلى 6,7% سنويا حسب بيانات البنك الدولي في تلك الفترة بعد أن أنخفض إلى 4,8% سنويا نتيجة لزيادة معدل الإنفاق العسكري نتيجة للاستعداد للحرب ، إلا إن رغبة السادات في الإسراع بالعودة لمعدل التنمية السابق و رغبته في التحول الى النظام الرأسمالي جعله يجنح إلى جذب استثمارات خارجية لضخ أموال لزيادة معدلات التنمية ، و لذلك أصدر العديد من القوانين لفتح المجال للاستثمار الخارجي في مصر كان من اهم تلك القوانين قانون 43 لسنة 1974 و الذي نتج عنه فتح المجال أمام رأس المال العربي و الأجنبي للاستثمار في مصر ، كذلك قانون النقـد الأجنبي رقم 97 لسنة 1976 ، و الذي من شأنه تحرير المعاملات النقدية و إتاحة الفرصة للبنوك الخاصة لتلقي ودائع بالعملة الأجنبية ، و هناك العديد من القوانين الأخرى التي ساعدت في ذلك التحول.

شاهدت مصر في تلك الفترة قفزة خادعة حيث زادت معدلات الإنفاق الاستهلاكي بشكل كبير ، إلا أنه في المقابل لم يكن هناك إنتاج سلعي يوازي معدل الإنفاق المتزايد ، فزادت نسب التضخم فالأموال الجارية في الأسواق ، فهي أموال بلا غطاء إنتاجي ، بل هي أموال مقترضة من البنوك لتغطية عمليات الاستيراد.

في نفس الوقت لم يكن هناك تخطيط واضح المعالم لتطوير القطاع العام حتى يستطيع أن يدخل في منافسة حقيقة مع القطاع الخاص الذي أعتمد على الاستيراد من الخارج بدلا من الدخول في عمليات تصنيع ، فتوالت الخسائر على مؤسسات القطاع العام و اصبحت عبئا على الاقتصاد المصري ، و مع بداية الثمانينات لم يعد هناك سوى خيارين أمام الدولة الأول هو ضخ أموال لتطوير القطاع العام ، و الخيار الثاني التخلص منه و طرحه للبيع ، و في وقت وصلت فيه قيمة الديون الخارجية إلى 38 مليار دولار فلم يكن أمام الدولة سوى خيار واحد هو طرح القطاع العام للبيع و لكن قبل ذلك كان يجب التوصل مع الدائنين إلى صيغة مناسبة لجدولة الديون المتراكمة خصوصا و أن الطفرة الوهمية التي شهدتها مصر في منتصف السبعينات بدأت في التلاشي و بدأ معها شبح الإفلاس يخيم على مصر.

في نفس الوقت ظهر على سطح الأحداث ما عرف وقتها باسم شركات توظيف الأموال خصوصا و أن معدلات الفائدة على الودائع تم تخفيضها للسيطرة على معدلات التضخم و اصبحت الأموال المخزنة في البنوك لا تعطي لأصحابها العائد المنتظر منه ، فظهرت تلك الشركات و يتم سحب الأموال من البنوك لتمويل تلك الشركات التي اعتمدت على دعاية دينية لجذب المودعين بها ، ومع غياب القوانين المنظمة لمثل تلك الشركات استطاعت أن تتحكم في ما يقرب من 56% من حجم السوق المالي في مصر ، و نتج عن ذلك انخفاض معدل الادخار في البنوك و أنخفض بالتالي معدل الاستثمار في مقابل معدلات الاستهلاك ، و لم يقتصر الأمر فالقيمة الشرائية للجنيه في النصف الأخير من الثمانينات انخفضت بنسبة ذادت عن 20% بل ووصلت إلى أقل من 25% عما كنت عليه في بداية الثمانينات مع نهاية فترة الثمانينات.

و منا هنا بدأت ملامح الانهيار الذي لم يعد انهيار اقتصاديا بل انهيارا اجتماعيا فالتحول الاقتصادي الغير مدروس نتج عنه تغيرات اجتماعية في غاية الخطورة ، فأكثر الطبقات تأثرا بتلك التحولات و التغيرات هي الطبقة المتوسطة ، فمع ظهور شركات توظيف الأموال اتجهت تلك الطبقة إلى استثمار مدخراتها في تلك الشركات و لكن مع انهيارها انهارت معها تلك الطبقة التي خسرت أموالها فجأة بدون مؤشرات ، و بالرغم من العديد من التحذيرات التي أطلقها علماء الاقتصاد في تلك الفترة أن ما يحدث ما هو إلا طفرة و سيعقبها انهيار سريع نتيجة لعدم وجود استثمار حققي بتلك الشركات و اعتمادها على المضاربات النقدية و الأصول العقارية فأي اهتزاز في تلك الأسواق سيؤدي بالتالي إلى انهيارها ، و هذا ما حدث بالفعل فمع أول اهتزاز بالبورصات العالمية – انهيار المضاريات على الفضة بلندن و خسارة الريان ما يزيد عن 200 مليون دولار – خسرت تلك الشركات أموالا طائلة و اصبحت لا تستطيع أن توفي بوعودها أمام المودعين و كان أكبر الخاسرين هم من الطبقة المتوسطة التي تكالبت على تلك الشركات التي عرفت كيف تجذب هؤلاء السذج باستخدام الدين تارة و إغرائهم بمعدل الفائدة المرتفع و الذي وصل إلى 25% تارة أخرى.

و بدأ من هنا انهيار حاد للطبقة المتوسطة التي أصبحت بين فكي الرحى ، فهي خسرت مدخراتها فجأة و في نفس الوقت زادت معدلات التضخم بشكل متسارع و لم يبقى أمام تلك الطبقة شيئا فبدأت في التحلل و التقلص.

نشرت على موقع شباب الشرق الأوسط