6 ديسمبر، 2008

مدبولي ... صاحب المفاتيح


شيعت اليوم جثمان واحد من أشهر الناشرين المصريين و أكثرهم جدلا ، فهذا الرجل رغم تعليمه البسيط – لم يتعدى المرحلة لابتدائية - تربع على عرش الكتاب في مصر ليصبح الناشر الأكثر شهرة و الذي يتعامل فقط مع كبار الكتاب سواء في مصر أو في العالم العربي.

بدايته كانت كطفل صغير يبيع الكتب في ميدان الدقي ، ثم أنتقل في أوائل الستينات إلى منطقة جامعة القاهرة حيث أستطاع أن يحصل على تصريح لافتتاح كشك جرائد بجانب الجامعة ، و كانت هذه النقلة وش السعد عليه ، تعرف خلالها على العديد من الشباب المثقف و أساتذة الجامعة العريقة ، لم يلبث أن استطاع أن يستأجر بالمشاركة مع شقيقه محلا بميدان طلعت حرب وهو المحل القائم حتى هذه اللحظة ، لتشتهر هذه المكتبة الصغيرة خاصة بعد حرب 1967 ، حيث كانت هذه المكتبة ملتقى للعديد من مثقفي مصر و أدبائها و فنانيها لقربها من أكثر أماكن تجمع المثقفين في تلك الفترة و هي مقهى ريش ، و مقهى أسترا ، كذلك تواجد الكتب الممنوعة من التداول في مكتبته ، و استطاع مدبولي بذكائه أن يتعرف على ما يريده رواد مكتبته ، و افتتح دار نشر صغيرة في البداية و اهتم بالكتب المترجمة فتكلفتها صغيرة بالمقارنة بنشر كتاب مؤلف بالكامل ، وبالفعل نجحت التجربة خاصة و انه تخصص في نشر الكتب التي تنشر الفكر الماركسي ، كذلك المهتمة بالفنون ، فالمجتمع كان في تلك الفترة أهتم بالفنون و النهضة المسرحية التي قامت في ستينات القرن الماضي كانت بمثابة ضوء أخضر لهذا الرجل ، وبالفعل ذاع صيت تلك المكتبة و دار النشر الصغيرة و تكالب عليها العديد من المثقفين المصريين ، بل وأصبحت مزارا لكل مثقف عربي جاء إلى القاهرة فهناك سيجد ما لن يجده في بلاده.

الكتاب الذي صنــع اسم مدبولي في عالم الكتب هو ديوان لنزار قباني بعنوان ‘‘هوامش على دفتر النكسة’’ ، الذي منع بقرار من وزير الداخلية حينذاك ، إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر سمح بطبع الكتاب و نشره ، و تأتي مرحلة السبعينات ، ولم تنطفئ شمس تلك المكتبة بل ذادت سطوعا بعد أن قام مدبولي بنشر أشعار نجم و حداد التي كانت ممنوعة من قبل السلطة الحاكمة في تلك الفترة ، و عندما أقال السادات محمد حسنين هيكل من رئاسته لجريدة لأهرام ، تولى مدبولي نشر أعمال هيكل و أحتكر توزيعها في مصر ، مما زاد من قيمة هذه المكتبة التي أصبحت اليوم بؤرة ضوء حقيقية وسط الأضواء الكاذبة.

أسعدتني الظروف أن ألتقي بمدبولي مرتين الأولى في مكتبته بوسط البلد ، كنت ابحث عن الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل ، خصوصا رواية ‘‘حكايات حارتنا’’ التي أثارت جدلا ، و كنت أحاول أن أتعرف على أسباب هذا الجدل و احكم عليه بنفسي فلم اعتاد أن أتلقى افكار الآخرين بشكل آلي بل أعتدت النقاش و البحث ، وبالفعل حاولت السؤال عن هذه الرواية بالتحديد ، و كان العاملين في المكتبة ينكرون وجودها و أنها ممنوعة من التداول ، خرجت من المكتبة و أنا في شدة الغضب لأتقابل مع صديق لي الذي سألني عن سبب غضي ذلك ، وذكرت له السبب فلم يتوان الصديق وهو يعرف ولعي بالقراءة أن يأخذني إلى الحاج محمد مدبولي بنفسه فهو كان على معرفة به ، و بعد نقاش لم يستمر سوى دقائق بين صديقي و بين مدبولي الذي نظر إلى و أخذ يستكمل النقاش معي و بلغة بسيطة كنت ولكنها شديدة الذكاء لم استسغها في البداية سألني عن سبب اهتمامي بتلك الرواية ، و لماذا نجيب محفوظ ، كنت أفكر في داخلي لماذا يسألني هذا الرجل و أنا أعرف أنه ليس إلا تاجر ، كنت في داخلي اسخر منه وهو يتناقش معي في أعمال محفوظ و القدوس وأدريس و غيرهم من الكتاب و في النهاية أستأذن لدقائق بسيطة ثم عاد إلينا و معه نسخة من الرواية وهو يقول ‘‘ دي يا أستاذ نسخة أخيرة عندي قبل ما تتصادر مش هتغلا عليك و علشان خاطر الأستاذ صالح صديقك’’ ، خرجت من مكتبته و أنا سعيد بالرواية و لم أكن أعرف أن هذا الرجل له مثل هذه المكانة في عالم الكتاب فربما صغر سني في تلك الفترة لم تجعلني أهتم به و نظرتي له لم تزد عن تاجر كل ما يريده أن يكتسب بعض الأموال من جيوبنا ...

و مع مرور الأيام و السنين بدأت أسمع الكثير من الحكايات عن ذلك الرجل و أن كثير من الكتاب الكبار يشترطون أن يقوم بهو بتوزيع كتبهم بالرغم من الإغراءات التي قدمت لهم خصوصا من دور النشر اللبنانية إلا أنهم يفضلون دائما .... مدبولي ... رحم الله هذا الرجل