15 أكتوبر، 2006

انتحار أشجار الجميز !


(1)
وقفت أمام المرآة تستعرض جمالها ، كانت تعرف أنها جميلة ، أخذها شعرها الأسود الطويل و هي تغازله بعينيها ، كنت أقف بعيدا بجانب الباب لم أتعجب مما تفعله فهذه عادتها ... مبهورة بنفسها .... تستمتع بنظرات الآخرين لها ... بالرغم من علاقتنا التي تقارب السنة إلا أنني استبعد اقتراني الكامل بها و هي أيضا ! ... تركتها و ذهبت إلى حجرة المعيشة أشاهد التلفزيون ... نصر الله يعلن ”لو عاد بي الزمن لما أختطف الجنديين“ ... اصحوا على صوتها من الداخل أنت ”هتفضل عندك كتير ... هو أحنا جايين النهاردة علشان نتفرج على التلفزيون“ ، تململت في مقعدي و ذهبت إليها متباطئا لأجدها مستلقية على الفراش تنتظر جسدي المنهك ... كان جسدها يرتعش تحت قميصها الضيق ارتميت بكل ما في داخلي من أحزان بين ذراعيها ، تلتقي أنفاسنا و تتوحد ”حزب الله البطل الجديد في الشارع الفلسطيني“ ، سئمت الحياة ، أنفاسي تعلو ، و عقلي يشرد ، تنظر لي متعجبة ... ”أنت متغير“ ، لم استطع الرد ، عاودت المحاولة مرة أخرى و تزداد أنفاسي لهثا .... تحاول بقدر طاقتها مساعدتي ... العجز واضح داخلي ”عنان وصل إلى لبنان في جولة شرق أوسطية“ ... عذرا صديقتي مللتك ، و مللت الحياة ، تنظر لي و هي مستاءة مما يحدث ... في عينيها شفقة و غضب .. و في عيني انكسار ... أخرجت سيجارة و هممت في إشعالها ... تختطفها من فمي و تشعلها و تعيدها إلى مرة أخرى .... تضمني بشدة إلى صدرها ...
- كان نفسي أنسيك أحزانك
- صعب
- ليه كل ما بقرب منك بتبعد !
- ......
عدت للتلفزيون مرة أخرى ... ولكني لم اعد اسمع شيئا صورا تتراء أمامي ... أطفال قتلى ... نساء تبكي ... رجال يتحركون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .... لم يعد هناك جديد ... الأحداث تتكرر ، الأفكار تتوالى كأنها في سباق مع زمن تتبدل فيه المواقف ككرة البالون المليئة بالغاز ليتقاذفها الهواء ، مللت أخبار جعلتني اشعر إني أسبح في بحر من دماء و كذب ، قررت الخروج للشارع ربما أجد به بعض الهواء.
أناس يتحركون على شريط من الأسفلت الأسود ... آلات تتحرك بلا معنى ... أنكم لا تشعرون بحياتكم القذرة ... لم تعودوا تصلحون لشيء سوى الامتعاض و الحسرة ، فتاة صغيرة تلعب مع أقرانها تضحك بشدة و تنظر لي بتعجب كأنها تسألني لماذا لا تضحك مثلنا ... أشفق عليك يا ابنتي ، أشفق عليك من غد قاتم ، أخذت أتجول بنظري نحو الأشجار التي تظلل شارعنا ، أغصانها مائلة كأنها تبكي حال جيرانها ، أقدامي تسيرني كيفما شاءت أو كيفما شاء القدر !

(2)
” وعندك لمون ساقع للأستاذ وشيشة معسل“ ، كان هذا نداء صبي القهوة ”اشرف“ عندما رآني جالسا في ركني المعتاد ، نظرت له محييا ، و أخذت أتجول بين الجالسين ، نفس الوجوه التي ألقاها دائما منذ سنوات ، بالرغم من غيابي عنهم الشهور الثلاثة الأخيرة ، إلا أنهم كتماثيل من الشمع لا تتحرك قد تتوهم أنها حية ولكنها باردة لا حياة فيها ، نفس الأحاديث للمملة ، ولكن يجب على الجميع الاستماع حتى يأتي دوره في الكلام ، يأتيني ”اشرف“ بعصير الليمون البارد بترحاب شديد
- بقالك كتير غايب يا أستاذ مسافر و ألا إيه
- كنت مشغول شوية الفترة اللي فاتت
يضع الليمون ، و يشير لصبي آخر أن يأتي بالشيشة مسرعا ، أخذ بعض الجالسين في الانتباه لوجودي و بدأت التحيات المعتادة و الدعوات للانضمام في الحديث المتكرر ، رفضت بأدب مبالغ فيه طمعا في الهدوء و الرغبة في الوحدة المختارة ، تركت نفسي لعصير الليمون البارد و مكعبات الثلج العائمة على سطحه ، أحاول الاستمتاع بها في هذا الجو الحار ، لأصحو على حركة متوترة بين المقاعد ، التقت جميع العيون ناحية مدخل المقهى ، لأجد امرأة ممتلئة ، ذات بياض ناصع وردي اللون ، تتمايل أعين الجالسين مع تمايل أردافها و اهتزاز صدرها النافر وهي تخطو خطواتها داخل المقهى ، عيون لاهثة جائعة للحم دافئ ، وهي تتحرك مختالة بنفسها تعرف أن هذه العيون الجائعة تكاد تنخلع من أماكنها ، تأخذ مقعدها في أقصى القهوة ، يذهب إليها صبي القهوة مسرعا آتيا بكرسي ليقوم بالوقوف فوقه لإيقاد المروحة الكهربائية في المكان المجاور لمجلس هذه المرأة المختالة بنفسها ، و الابتسامة تعلوا شفتيه مختلفة عن الابتسامة السابقة فهي منفتحة لامعة بعيدة كل البعد عن ابتسامته الآلية التي أعرفها جيدا ، تكثر الهمسات بين الجالسين عن هذه المرأة التي ورثت محل الكباب القريب من المقهى بعد وفاة زوجها ، كما ورثت العمارة التي تقطن بها في مكان متميز ، يتندرون بحالتها قبل الزواج و كيف كانت تعيش مع أهلها تقتات فتات الطعام اليوم تعيش عائمة فوق تلال من النقود ، ضحكت من داخلي ، كانت نفس هذه المرأة أمامكم منذ سنوات قليلة لم يعيرها احد اهتمام بل كنتم تشمئزون من فقرها ، فقط زاد جمالها بريق الذهب المتدلي من عنقها و أذرعتها ، لم يحاول أحدكم الاهتمام بهذه الانسانة التي كرهت حياتها في وقت من الأوقات حتى أنها حاولت الانتحار هربا من قسوة الحياة و قسوتكم ، هاهي اليوم تقف مختالة بنفسها أمامكم و لعاب ألسنتكم يسيل ليس رغبة في الحب ولكن طمعا في الذهب ، هذه هي الحياة أيها الأصدقاء تتبدل ولكنكم تبقون كما أنتم تتندرون على حظكم السيء.

ألقيت ما بقي من كوب الليمون في جوفي ، و ناديت ”أشرف“ ليأخذ حسابه من النقود ، لأعود لامتطي نفس طريق الإسفلت عائدا من حيث أتيت ، الظلام يسود الطريق إلا من بعض أعمدة متناثرة تنشر ضوئها على استحياء ، مازال بعض الأطفال يمارسون ألعابهم المرحة ، وقفت قليلا لاستمتع بسعادتهم ، ولكني أشعر بفقدان معنى هذه السعادة ، الزمن يكثر أثقاله على قلبي و عقلي.
يتبـع !